أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » خطب الدكتور عاطف » علامات القلب السليم الذى ينفع صاحبه يوم القيامة ج2

علامات القلب السليم الذى ينفع صاحبه يوم القيامة ج2

لعلامة الثامنة : أَنْ يكونَ أَشَحَّ بوَقْتِهِ أَنْ يذهَبَ ضائِعاً  أى مِن أشدِّ النّاسٍ شُحّاً بمالِهِ ؛ لأنَّه يرى عزّةَ وقتهِ وخطره وشرفه ، وأنّه رأس مال سعادته فيبخل به أنْ يضيعه فيما لا يقربه إلى ربّه ؛

فإنّ في إضاعته
الخسران والحسرة والنّدامة ، وفي حفظه وعمارته الربح والسعادة . فيشح بأنفاسه
أنْ يضيعها فيما لا ينفعه يوم معاده .
العلامة التاسعة : أَنْ يكونَ اهتمامُهُ بتصحيح العملِ أَعظمَ منهُ بالعملِ ،
فيحْرِصُ على الإِخلاص فيهِ والنَّصيحةِ والمُتابعةِ والإحسانِ ، ويشهَدُ
مَعَ ذلك منَّةَ اللَّهِ عليهِ وتقصيرَهُ في حقِّ اللّهِ .

فهذه ستُّ مشاهدَ لا يشهَدُها إلا القلبُ الحيُّ السليمُ .

    العلامة العاشرة: أنْ يكون سالماً من محبة ما يكرهه الله ، فدخل في ذلك
سلامته من الشرك الجلي والخفي ، ومن الأهواء والبدع ، ومن الفسوق والمعاصي ـ
كبائرها وصغائرها ـ الظاهرة والباطنة ، كالرياء ، والعجب ، والغلّ ، والغش ،
والحقد ، والحسد ، وغير ذلك .

عنْ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قيل : لرسول الله صلى الله عليه
وسلم أيّ النّاس أفْضلُ؟ قال: »كلُّ مخْمومِ القلب ، صدوقِ اللسانِ«.قالوا:
صدوق اللسان نعرفه ، فما مخمومُ القلب ؟ قال : » هو التّقيّ النّقيّ لا إثْم
فيه ، ولا بغي ولا غلّ ولا حسدْ«
     العلامة الحادية عشر: اتباع هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم . عن أبي أمامة
الباهلي رضي الله عنه قال : أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي :
»يا أبا أمامة! إنّ من المؤمنين من يلين لي قلبه « .

ومعنى (يلين لي قلبه ) أي يسكن ويميل إليّ بالمودّة والمحبّة. والله أعلم .

وليس ذلك إلا بإخلاص الاتباع له صلى الله عليه وسلم دون سواه من البشر ، لأن
الله تعالى جعل ذلك وحده دليلاً على حبه عزوجل ، فقال{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏} ( 31 )ال عمران

أفلم يأن للذين يزعمون حبه صلى الله عليه وسلم في أحاديثهم وأناشيدهم ، أن
يرجعوا إلى التمسك بهذا الحب الصادق الموصل إلى حب الله تعالى ، ولا يكونوا
كالذي قال فيه الشاعر:

تعـصي الإله وأنت تظــهر حبــه
………………….
هذا لعمـرك في القـــياس بديــع

فلـو كـان حبــك صادقـاً لأطعتـه

إنّ المحـبّ لــمن يــحبّ مطيــع
     العلامة الثانية عشر : الوجل عندْ ذكر الرحمن . والوجل خوف مقْرونٌ بهيبةٍ
ومحبّةٍ .

قال سبحانه وتعالى : ( وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللَّهُ وَجلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الحج:34-35].

وقال سبحانه وتعالى : (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [ الأنفال:2] .

وقال عزوجل : (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)[المؤمنون:60 ].

وعن أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: »إنّ لله آنية في الأرض ، وآنية ربّكمْ قلوب عباده الصالحين ، وأحبُّها
إليه ألينها وأرقُّها
»
والمعنى أنّها ذات خشية واستكانة سريعة الاستجابة والتأثر بقوارع التذكير
سالمة من الشدّة والقسْوة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه
الآية : (وَالذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)[ المؤمنون :
60 ] قالت : أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ” ؟ قال : »لا يا بنت الصديق ،
ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ، وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك
الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون «
ومن تأمَّل أحْوال الصحابة رضي الله عنهمْ و
جدهمْ في غاية العملِ مع غايةِ الخوفِ ، ويعدُّون أنفسهم من المقصِّرين
المفرِّطين المذْنبين ، ونحن مع إساءتنا نعدُّ انفسنا من المحسنين.

وبالجملة ؛ فالقلبُ الصَّحيحُ : هو الذي همُّهُ كلُّهُ في اللَّهِ ، وحُبُّهُ
كلُّهُ لهُ ، وقصدُهُ لهُ ، وبَدنُهُ لهُ ، وأَعمالُه لهُ ، ونومُهُ لهُ ،
ويقظتُهُ لهُ ، وحديثُهُ والحديث عنهُ أشْهى إِليهِ مِن كُلِّ حَدِيثٍ ،
وأَفكارُهُ تحوم على مراضيه ومحابِّه . فكلُّه بالله ، وكلُّه لله ، وكلُّه
مع الله ، وسيرهُ دائماً إلى الله ، فهو مع الله مجرَّدٌ عن خلقهِ ، ومع
خلقهِ مجرَّدٌ عن نفسه … والله المستعان .