أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » التصوف الاسلامى » شهادات أعلام العلماء للتصوف والصوفية ج2

شهادات أعلام العلماء للتصوف والصوفية ج2

وقال الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في كتابه معيد النعم ومبيد النقم، تحت عنوان الصوفية: (حَيَّاهمُ الله وبيَّاهم وجمعنا في الجنة نحن وإِياهم.

 

وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المُتلبِّسين بها، بحيث قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا يصح الوقف عليهم لأنه لا حدَّ لهم. والصحيح صحته، وأنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة.. ثم تحدث عن تعاريف التصوف إِلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويُستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنَّا بهم) [كتاب معيد النعم ومبيد النقم ص119 للإِمام تاج الدين عبد الوهاب السبكي المتوفى سنة 771هـ].

12ـ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى:

وقال العلامة المشهور جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه تأييد الحقيقة العليَّة: (إِن التصوف في نفسه علم شريف، وإِن مداره على اتباع السنة وترك البدع ، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها، والتسليمِ لله، والرضى به وبقضائه، وطلبِ محبته، واحتقارِ ما سواه.. وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع، فوجَّه أهلُ العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها، وإِنما يقول بها أهل البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم) [تأييد الحقيقة العلية ص57. للعلامة جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ].

13ـ ابن عابدين رحمه الله تعالى:

وتحدَّثَ خاتمة المحققين العلامة الكبير والفقيه الشهير الشيخ محمد أمين المشهور بابن عابدين رحمه الله تعالى في كتابه المسمى مجموعة رسائل ابن عابدين الرسالة السابعة [شفاء العليل وبَلُّ الغليل في حُكْمِ الوصية بالختمات والتهاليل] عن البدع الدخيلة على الدين مما يجري في المآتم والختمات، من قِبل أشخاص تزيَّوْا بزِي العلم، وانتحلوا اسم الصوفية، ثم استدرك الكلام عن الصوفية الصادقين حتى لا يُظن أنه يتكلم عنهم عامة فقال: (ولا كلام لنا مع الصُدَّقِ من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلة رديَّة، فقد سُئل إِمامُ الطائفتين سيدنا الجنيد: إِن أقواماً يتواجدون ويتمايلون ؟ فقال: دعوهم مع الله تعالى يفرحون، فإِنهم قوم قطَّعت الطريقُ أكبادَهم، ومزَّق النصبُ فؤادَهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إِذا تنفسوا مداواةً لحالهم، ولو ذُقْتَ مذاقهم عذرتهم في صياحهم.. وبمثل ما ذكره الإِمام الجنيد، أجاب العلامة النحرير ابن كمال باشا لما استفتي عن ذلك حيث قال:

ما في التَّواجُدِ إِن حقَّقْتَ من حرجٍ ولا التمايلِ إِن أخلْصَتَ من بَاسِ

فقمتَ تسعى على رِجْلٍ وحُقَّ لِمَنْ دعاه مولاه أن يسعى على الرِّاسِ

الرخصة فيما ذكر من الأوضاع عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إِلى أحسن الأعمال، السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال، فهم لا يستمعون إِلا من الإِله، ولا يشتاقون إِلاَّ له ؛ إِنْ ذكروه ناحوا، وإِن شكروه باحوا، وإِن وجدوه صاحوا، وإِن شهدوه استراحوا، وإِن سرحوا في حضرات قربه ساحوا. إِذا غلب عليهم الوجد بغلباته، وشربوا من موارد إِراداته، فمنهم مَنْ طرقتْه طوارق الهيبة فخرَّ وذاب، ومنهم من برِقتْ له بوارق اللطف فتحرَّك وطاب، ومنهم من طلع عليهم الحِبُّ من مطلع القرب فسكر وغاب. هذا ما عَنَّ لي في الجواب، والله أعلم بالصواب.

وأيضاً فإِن سماعهم ينتج المعارف الإِلهية، والحقائق الربانية، ولا يكون إِلا بوصف الذات العلية والمواعظ الحِكَمِيَّة، والمدايح النبوية.

ولا كلام لنا أيضاً مع من اقتدى بهم، وذاق من مشربهم، ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلاَّم، بل كلامنا مع هؤلاء العوام، الفسقة اللئام.. إِلخ) [الرسالة السابعة، شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل ص172ـ173 للفقيه الكبير ابن عابدين ولد سنة 1198 وتوفي 1252هـ وقد ذكرنا سابقاً شيئاً من ترجمته].

14ـ الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى:

ذكرت مجلة المسلم مقالة تحت عنوان رأي الشيخ محمد عبده في التصوف، نقلها عنه المرحوم الشيخ علي محفوظ في رسالة الإِبداع فقال: (قال الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى: قد اشتبه على بعض الباحثين في تاريخ الإِسلام وما حدث فيه من البدع والعادات التي شوهتْ جماله، السببُ في سقوط المسلمين في الجهل، فظنوا أن التصوف من أقوى الأسباب لوقوع المسلمين في الجهل بدينهم وبُعدهم عن التوحيد الخالص الذي هو أُسُّ النجاة، ومدار صحة الأعمال، وليس الأمر كما ظنوا، فنذكر لك الغرض منه على وجه الإِجمال، وما آل إِليه أمره بعد ذلك.

ظهر التصوف في القرون الأولى للإِسلام، فكان له شأن عظيم، وكان المقصود منه في أول الأمر تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس، وترويضها بأعمال الدين وجذبها إِليه، وجعله وجداناً لها، وتعريفها بحِكَمه وأسراره بالتدريج. وكان الفقهاء الذين وقفوا عند ظواهر الأحكام المتعلقة بأعمال الجوارح والمعاملات ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين، ويرمونهم بالزيغ والإِلحاد، وكانت السلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إِليهم، فاضطر الصوفية إِلى إِخفاء أمرهم، ووضْع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إِلا بشروط واختبار طويل، فقالوا: لابد فيمن يحب أن يكون معنا أن يكون أولاً طالباً فمريداً فسالكاً، وبعد السلوك إِما أن يصل وإِما أن ينقطع، فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره زمناً طويلاً، ليعلموا أنه صحيح الإِرادة صادق العزيمة، لا يقصد مجرد الوقوف على أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج شيئاً فشيئاً) [مجلة المسلم ـ العدد السادس ـ غرة المحرم 1378هـ. ص24. ولد الشيخ محمد عبده 1266هـ. وتوفي 1323هـ في مصر].
15ـ الأمير شكيب أرسلان رحمه الله تعالى:

جاء في كتاب حاضر العالم الإِسلامي للأمير شكيب أرسلان رحمه الله تعالى تحت عنوان: نهضة الإِسلام في أفريقيا وأسبابها: (وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر حصلت نهضة جديدة عند أتباع الطريقتين: القادرية والشاذلية، ووُجدت طريقتان، هما: التيجانية والسنوسية.

فالقادرية هم أحمسُ مبشري الدين الإِسلامي في غربي أفريقيا من السنيغال إِلى بنين التي بقرب مصب النيجر. وهم ينشرون الإِسلام بطريقة سلمية بالتجارة والتعليم، وتجد التجار الذين من السونينكة والماندجولة المنتشرين على مدن النيجر وفي بلاد كارتا وماسينة، كلهم من مريدي الطريقة القادرية. ومِنْ مريديهم من يخدمون في مهنة الكتابة والتعليم، ويفتحون كتاتيب ليس في زوايا الطريقة فقط، بل في كل القرى، فيلقِّنون صغار الزنج الدين الإِسلامي أثناء التعليم، ويرسلون النجباء من تلاميذهم على نفقة الزوايا إِلى مدارس طرابلس والقيروان وجامع القرويين بفاس والجامع الأزهر بمصر. فيُخرَّجون من هناك طلبة مجازين، أي أساتذة، ويعودون إِلى تلك البلاد لأجل مقاومة التبشير المسيحي في السودان) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج2. ص396].

وتحدث عن شيخ الطريقة القادرية فقال: (وكان عبد القادر الجيلاني الموجود في جيلان من فارس متصوفاً عظيماً زكي النشأة، وله أتباع لا يُحصى عددهم، ووصلت طريقته إِلى أسبانيا، فلما زالت دولة العرب من غرناطة انتقل مركز الطريقة القادرية إِلى فاس، وبواسطة أنوار هذه الطريقة زالت البدع من بين البربر، وتمسكوا بالسنة والجماعة، كما أن هذه الطريقة هي التي في القرن الخامس عشر، اهتدى على يدها زنوج غربي أفريقيا.

وتحدث عن السنوسية فقال: فالسنوسية نشروا طريقتهم في وادي والبافيرمي وبوركو، وتبعوا نهر بينوى إِلى أن بلغوا النيجر الأدنى حيث نجدهم يَهدون تلك القبائل إِلى الإِسلام. وبواسطة السنوسية صارت نواحي بحيرة تشاد هي مركز الإِسلام العام في أواسط أفريقيا، ويُقوَّم عدد مريدي الطريقة السنوسية بأربعة ملايين، وطريقة هؤلاء الجماعة في التبشير هي أن يشتروا الأرقاء صغاراً من السودان، ويربُّوهم في جغبوب وغذامس وغيرها، ثم متى بلغوا أشدَّهم وأكملوا تحصيل العلم أعتقوهم، وسرحوهم إِلى أطراف السودان، يَهدون أبناء جلدتهم الباقين على الفتيشية.

وهكذا يرحل كل سنة مئات من مبشري السنوسية لِبَثِّ دعاية الإِسلام في جميع أفريقيا الداخلية، من سواحل الصومال شرقاً، إِلى سواحل السينغامبية غرباً، ولقد حَذَا سيدي محمد المهدي وأخوه سيدي محمد الشريف حذو والدهما في السعي إِلى الغرض الذي توخاه، ألا وهو تخليص الإِسلام من النفوذ الأجنبي، وإِعادة الإِمامة العامة كما كانت في عصر الخلفاء. وبالإِجمال: فإِن مريدي هذه الطرق هم الذين سعوا في نشر الإِسلام، وَوُفِّقُوا إِليه في أفريقيا) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج2. ص400].

وتحدث عن السنوسية أيضاً بقوله: (وأيُّ دليل أقطع من المبشرين السنوسين الحُمَّس الغُيَّر الذين خرَّجتهم زوايا الصحراء، وهم يُعدُّون بالألوف المؤلَّفةِ، وما انفكوا يجوبون كل بلاد وثنية مبشرين بالوحدانية داعين إِلى الإِسلام. وهذه الأعمال التي قام بها المبشرون المسلمون في غربي أفريقيا وأوسطها خلال القرن التاسع عشر إِلى اليوم لَعجيبةٌ من العجائب الكبرى، وقد اعترف عدد كبير من الغربيين بهذا الأمر، فقد قال أحد الإِنكليز في هذا الصدد منذ عشرين سنة: إِن الإِسلام ليفوز في أواسط أفريقيا فوزاً عظيماً، حيث الوثنية تختفي مِن أمامه اختفاء الظلام من فلق الصباح، وحيث الدعوة النصرانية كأنها خرافة من الخرافات..) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].

وتحدَّثَ عن الطريقة الشاذلية فقال: (وأما الشاذلية فنسبتها إِلى أبي الحسن الشاذلي، أخذ عن عبد السلام بن مشيش، الذي أخذ عن أبي مدين وكانت ولادة أبي مدين في إِشبيلية سنة 1127 ميلادية، وقرأ في فاس، وحجَّ البيت الحرام، ثم استقر يعلم التصوف في بجاية، وتبعه خلقٌ كثير.. وهي من أوليات الطرق التي أدخلت التصوف في المغرب، ومركزها بوبريت في مراكش. وكان من أشياخها سيدي العربي الدرقاوي المتوفى سنة 1823م الذي أوجد عند مريديه حماسة دينية شديدة امتدت إِلى المغرب الأوسط، وكان للدرقاوية دور فعال في مقاومة الفتح الفرنسي) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].

وختم الأمير شكيب أرسلان موضوعه عن نهضة الإِسلام في أفريقيا فقال: (وأكثر أسباب هذه النهضة الأخيرة راجعة إِلى التصوف والاعتقاد بالأولياء) [“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].
16ـ الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى:

قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى: (لقد انفرد الصوفية بركن عظيم من أركان الدين، لا يطاولهم فيه مطاول، وهو التهذيب علماً وتخلقاً وتحققاً، ثم لما دونت العلوم في الملة، كتب شيوخ هذه الطائفة في الأخلاق ومحاسبة النفس..) [مجلة المنار السنة الأولى ص726].