أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » الصحابة » منزلة الصحابة فى القرآن الكريم ج2

منزلة الصحابة فى القرآن الكريم ج2

قال تعالى متحدثًا عن أهل بدر:                                                         (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ

 

* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ{ [آل عمران: 124-125].

وقال عنهم في موضع آخر:

}إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ{ [الأنفال: 11-12].

وقال تعالى:

}فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ [الأنفال: 17].

وقال تعالى:

}قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ{ [آل عمران: 13].

والآية تشير إلى اللقاء الذي وقع بين المسلمين وبين المشركين يوم بدر وفيها شهادة من الله لأصحاب بدر بخلوص نيتهم ، وأنهم ما قاتلوا يوم ذلك حمية ولا شجاعة ولا لترى أماكنهم وإنما قاتلوا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى فأيدهم الله بنصره والله يؤيد بنصره من يشاء

وقال في من شهدوا أُحدًا:

}وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ{ [آل عمران: 121-122].

}وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{

[آل عمران: 152].

وقال فيهم وقد ندبهم رسول الله r لتعقب القوم بعد انتهاء المعركة:

}الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{

[آل عمران: 172 – 174].

وقد كان ذلك يوم (حمراء الأسد) وذلك إن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم فلما استمروا في سيرهم ندموا أنهم لم يجهزوا على أهل المدينة ويجعلوها الفيصلة فلما بلغ ذلك رسول الله r ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم إن بهم قوة وجلدًا ، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والاثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله r فانزل الله هذه الآيات.

وقد يقول قائل: إن الله عز وجل قد ذكر أن فيهم من يريد الدنيا وذلك في قوله تعالى: }مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ{.

والجواب إن ذلك لا يقدح في حقيقة إيمانهم وذلك بدلالة بقية الآية: فقد ذكر الله بعد ذلك أنه قد عفا عنهم، وأشار إن ذلك العفو كان فضلاً منه عليهم بسبب إيمانهم. فقال تعالى: }وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{.

وقال في من شهدوا صلح الحديبية وانقادوا لحكم الله ورسوله وكانوا أربع عشرة مائة:

}هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا{ [الفتح: 4-5].

وقد روى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نزلت على النبي r: }لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ{ مرجعه من الحديبية قال النبي r لقد أنزلت على آية أحب إلي مما على الأرض، ثم قرأها عليهم النبي r فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله، بين الله عز وجل ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه r }لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ{ حتى بلغ: }فَوْزًا عَظِيمًا{.

وهؤلاء هم أهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم:

}لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا{

[الفتح: 18-19].

وسبب هذه البيعة ما هو معروف في كتب السيرة من أن رسول الله r قد أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه ليخبر قريشًا إنه لم يأت لحرب وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت ومعظمًا لحرمته فاحتبسته قريش عندها، وبلغ رسول الله إن عثمان قد قتل فقال r؛ لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة تلك البيعة التي لم يتخلف عنها أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس، وكان عدد الصحابة الذين بايعوا رسول الله r يومئذ ألفا وأربعمائة كما يرويه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه.

وفي هذه الآيات التي نزلت بشأن هذه البيعة:

– يعلن الله رضاه عن أصحاب هذه البيعة. ولذلك سميت بيعة الرضوان: }لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ{.

– يزكي قلوبهم وما وقر فيها من الوفاء والصدق بقوله: }فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ{.

– يرتب على رضاه عنهم وعلمه بما في قلوبهم ما أنعم عليهم به من سكينة وفتح ومغانم فقال تعالى: }فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا{.

وهؤلاء أيضًا هم الذين ألزمهم الله كلمة التقوى – كلمة التوحيد – وكانوا أحق بها وأهلها. قال تعالى:

}إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا{ [الفتح: 26].

ومن أصحاب رسول الله r من آمن من أهل الكتاب وفيهم نزل قوله تعالى: }لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ{ [آل عمران: 113-115].

والمشهور عند كثير من المفسرين إن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسيد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم، وقد شهد الله لهم فيها بالصلاح والإيمان بالله واليوم الآخر وغير ذلك من خصال الخير وشعب الإيمان.

أوصافهم في القرآن:

المؤمنون حقًا:

قال تعالى:

}وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{ [الأنفال: 74].

الراشدون:

قال تعالى:

}وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ{ [الحجرات: 7].

الفائزون:

قال تعالى: }الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ{  [التوبة: 20].

الصادقون:

قال تعالى:

}لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ{ [الحشر: 8].

رضي الله عنهم ورضوا عنه:

قال تعالى:

}وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [التوبة: 100].

أهل التوبة والرحمة:

قال تعالى:

}لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ{ [التوبة: 117].

المبشرون من ربهم:

قال تعالى: }الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ{ [التوبة: 20-21].

خير أمة أخرجت للناس:

قال تعالى:

}كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ{ [آل عمران: 110.

أهل التقوى:

قال تعالى:

}إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا{ [الفتح: 26].

غيظ الكفار:

قال تعالى:

}وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ [الفتح: 29].

وقد استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية القول بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر لهذه الآية.

أفراد أم جيش؟:

هل كان مجتمع الصحابة الذين شهد الله لهم بحقيقة الإيمان، وأثنى عليهم بالرشد والفوز والفلاح والصدق مجرد أفراد قلائل لا تنتصر بهم دعوة، ولا تقوم بهم دولة، أو كانوا قوة ضاربة وجيشًا جرارًا نصر الله بهم دعوة الحق وأقام على أكتافهم دولة الإسلام؟

ذلك ما تجيب عنه آيات القرآن وبديهيات العقول وحقائق التاريخ!

لقد امتن الله على نبيه بأنه أيده بنصره وبالمؤمنين.

}وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ{ [الأنفال:   ]

فلا بد أن يكون هؤلاء المؤمنون نصابًا تتحقق به النصرة ويقوى على مواجهة أعداء الله وإلا كان ذكرهم في الآية عبثًا لا طائل تحته تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

– فالذين شهدوا بدرًا وزكى الله إيمانهم، وسبق القول منه بالمغفرة لهم كانوا جيشًا قوامه ثلاثمائة وثلاثة عشر مجاهدًا كما يعرف ذلك الخاصة والعامة.

– والذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة على قتال أهل مكة وأعلن الله رضاه عنهم في القرآن لا بد أن يكونوا جيشًا يقوى على تكاليف هذه البيعة. ونصابًا يكفي لدخول هذه المعركة، وقد كانوا كما تذكر أوثق كتب السنة أربع عشرة مائة.

– والذين اتبعوا رسول الله في ساعة العسرة وأعلن الله توبته عليهم ورأفته ورحمته بهم، هل تهيئوا لحرب الروم وخرجوا مع رسول الله لقتالهم وهم أفراد لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين أو لا بد أن يكونوا جيشًا عظيمًا يرجى له النصر وهو يواجه عدوا من أشرس الأعداء ويفتك بأعظم قوة وأكبر دولة في ذلك الزمان؟

لقد كان عدد المسلمين يومئذ نحوا من ثلاثين ألفًا كما تنقل ذلك مضابط السيرة والتاريخ. ولقد خسر قوم أنفسهم، وكابروا الحقيقة والتاريخ فزعموا أنه لم يبق على الحق من أصحاب رسول الله r إلا ثلاثة، أو إلا عشرة على الأكثر، ونسبوا الباقين منهم إلى الكفر والردة.

فأين أولئك المفترون من هذه الآيات البينات والحقائق الراسخات؟! وهل يمكن تخريج هذه المفتريات إلا على أساس الطعن في القرآن والتشكيك في صحته؟ وذلك بالفعل هو ما ارتكس فيه كثير من غلاتهم حتى ألف بعضهم المطولات في إثبات تحريف القرآن!!

استخلافهم في الأرض ودلالته:

لقد وعد الله أصحاب نبيه r بأن يجعل منهم خلفاء الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضاه لهم وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنًا.

قال تعالى:

}وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{ [النور: 55].

وقد تحقق وعده تعالى لهم فإنه r لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها. وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه ملك الروم وصاحب مصر المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة.

ثم قام بالأمر من بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه فبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه ففتحوا طرفًا منها وقتلوا خلقًا من أهلها، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة إلى أرض الشام ففتح الله له بصرى ودمشق، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص إلى مصر، ثم توفاه الله عز وجل.

فقام بالأمر بعده الفاروق عمر رضي الله عنه قيامًا لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله، وقد تم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر عن آخرها وأكثر إقليم فارس، وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان، وكسر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية ، وأنفق أموالهما في سبيل الله.

ثم قام بالأمر من بعده عثمان رضي الله عنه، وفي عهده امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك وقبرص وبلاد القيروان وغيرها، ومن ناحية المشرق إلى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن.

فما هي دلالة هذه الفتوحات العظيمة؟

أولاً: شهادة الله لهؤلاء الفاتحين بالإيمان وعمل الصالحات والتوحيد الخالص:

}وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ{

[النور: 55].

ثانيًا: صحة إمامه الأئمة الأربعة، لأن الله عز وجل قد وعد بالاستخلاف الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمن محمد r، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول r هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده، ومعلوم إنه لا نبي بعده r فكان المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، ومعلوم أن الاستخلاف الذي تم بعد رسول الله r على هذا الوصف إنما كان في أيام أبي بكر وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصول التمكين وظهور الدين والأمن، ولم يحصل ذلك في أيام علي رضي الله عنه لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل القبلة فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء.

ثالثًا: إن الدين الذي مكنه الله لهؤلاء وأذاعوه في المشارق والمغارب هو دين الله الحق الذي ارتضاه الله وأقره، قل تعالى: }وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ{ [النور: 55].

والآن يا أولي النهي:

ما تقولون فيمن يزعم أن هؤلاء الخلفاء الفاتحين العظام والذين تحقق على أيديهم وعد الله قد خانوا الله ورسوله والمؤمنين وأنهم كفروا بالله ورسوله أجمعين، وأن الدين الذي نشروه والمصحف الذي رفعوه ليس من دين الإسلام ولا من مصحف المسلمين في شيء؟

سبحانك هذا بهتان عظيم!

تبشير الله لهم بالجنة:

إن شهادة القرآن الكريم لأصحاب محمد r بالإيمان لا تقف عند حدود الدنيا فقط ، بل تمتد لتشمل حسن الخاتمة بالموت على ذلك ، وما يستتبعه من وعد الله لهم بالمغفرة والرضوان وحسن المثوبة في الجنان.

قال تعالى: }وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [التوبة: 100].

ففي هذه الآية يخبر الله عز وجل عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم بما أعده لهم من جنات النعيم، وهذا يعني الموت على الإيمان بشهادة محكم القرآن فأين من الإيمان بالقرآن من يسبون من رضي الله عنه ووعده بجنة الخلد وفوز الأبد؟

وقال تعالى:

}لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ{ [التوبة: 88-89].

وفيها وعد كريم من الله عز وجل للرسول والذين آمنوا معه بالخيرات والدرجات العلى في جنات الفردوس. فهل يكون ذلك لقوم علم الله أنهم سيرتدون على أعقابهم بعد موت نبيهم؟! وهل كان هؤلاء أفرادًا ثلاثة أو عشرة كما يزعم الزاعمون أو جيشًا تحقق به نصر الله وتمكن من الوقوف في وجه جحافل الروم أقوى وأعظم دولة في ذلك الزمان؟

وقال تعالى:

}أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{ [التوبة: 19-22].

وفي هذه الآيات يشهد الله لأصحاب نبيه r الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم بالفوز وعظيم الدرجات، ويبشرهم برحمة منه ورضوان وبالنعيم المقيم في جنات النعيم.

أفتكون هذه الشهادات وتلك البشارات لقوم علم الله أنهم سيرتدون من بعد عن دينهم ويموتون وهم كفار؟

وهل يكون لنسبة الأصحاب إلى الكفر بعد ذلك من تفسير إلا التكذيب بهذه الآيات أو تجهيل الله عز وجل حيث قد وعد بالجنة قومًا لم يدر بم يختم لهم؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وقال تعالى:

}مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا{ [الفتح: 29].

فقد ذكر الله أصحاب نبيه في هذه الآيات بكثرة الصلاة ، وبإخلاصهم فيها لله عز وجل واحتسابهم عنده جزيل الثواب، ثم وصفهم بحسن السمت الذي يعكس خلوص نياتهم وحسن أعمالهم، ثم وعدهم على ذلك كله بالمغفرة والأجر العظيم. ووعده عز وجل حق وصدق لا يخلف ولا يبدل. وهذا يقطع لهم بصدق الإيمان الذي عاشوا عليه وماتوا عليه.

وقال تعالى:

}لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا{ [النساء: 95].

فتذكر هذه الآية تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، وتعد الجميع بالحسنى ، وهي الجنة والجزاء الجليل ، على تفاوت في الدرجات فيما بينهم، ووعد الله صدق لا يتخلف، فهل يعد الله بالجنة قومًا سبق في علمه أنهم سيرتدون من بعد على أعقابهم ويموتون وهم كفار؟

وقال تعالى:

}وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{ [الحديد: 10].

فقد ذكرت الآية أنه من أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة ممن أنفق بعد ذلك ، ثم وعدت الجميع بعد ذلك بالحسنى: أي المنفقين قبل الفتح وبعده وإن ك