أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » الصحابة » حكم سب الصحابة عند الأئمة ابن حجر الهيثمى وابن تيمية وابن عابدين

حكم سب الصحابة عند الأئمة ابن حجر الهيثمى وابن تيمية وابن عابدين

إن ظاهرة سب الصحابة رضوان الله عليهم لم تكن وليدة اليوم ولا الأمس القريب وإنما تفشت وظهرت على حيز الوجود منذ مؤازرة ومناصرة أولئك الأخيار الأطهار للمصطفى صلى الله عليه وسلم 

 

وإن الطعن في الصحابة طعن في النبي r حيث إنهم لم يستطيعوا الطعن في النبي r صراحة لئلا ينكشف أمرهم فعمدوا إلى تشويه سيرة أصحابة وتسويد صحائفهم البيضاء النقية ووضع المثالب فيهم ليقال أن النبي r رجل سوء ومن أجل ذلك صاحب أولئك الأشرار على حد زعمهم. وإن الذين يقودون حملة سب الصحابة قديماً وحديثاً ما هم إلا أراذل الناس عقلاً وديناً.

ومن المكابرة أن يزعم أولئك الطاعنون في الصحابة رضوان الله عليهم أنهم مسلمون مع أنهم يرمون زوجات النبي r بكبيرة الزنا وبعض أصحابه المقربين إليه بالشذوذ الجنسي والجشع المادي الدنيوي وإن صحبة الصحابة للنبي r ما هي إلا ستار لتحقيق مآربهم المادية والكيد به وبدعوته r.

عدالة الصحابة من القرآن الكريم:

كفى فخراً للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن الله سبحانه وتعالى اصطفاهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام وأن ذكرهم في القرآن الكريم باقٍ إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

يقول الحق تبارك وتعالى واصفاً نبيه r وصحابته الأبرار:

)مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(. [الفتح:29].

وقال جل جلاله مخبراً برضاه عن أولئك السابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وإعداده لهم جنات فيها ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر عليه قلب بشر: )وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ([التوبة:100].

وقال تبارك وتعالى: ) الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(

[الحشر:8، 9، 10].

وقال جل شأنه:

)وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ( [الأنفال:74].

وقال تعالى: )لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا( [الفتح:18].

وقوله تعالى: )لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( [التوبة:117].

وقوله تعالى: ) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ( [آل عمران:110].

وقوله تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ( [البقرة:143].

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله r: « يأت على الناس زمان فيغزو فئام([1]) من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله r؟ فيقولون لهم: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله r؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله r؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم»([2]).

وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه اثنين أو ثلاثاً. «ثم أن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن»([3]).

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته»([4]).

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله r:«لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»([5]).

وعن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله r:«اللهَ الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي من أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»([6]).

وقال r:«ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائداً من نور لهم يوم القيامة»([7]).

وعنه r: «إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي, فقولوا لعنة الله على شركم»([8]).

وقال r: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتي السماء ما يوعد، وأنا أمنة أصحابي فإذا ذهبت أنا، أتي أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»([9]).

وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله r: « من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله»    ([10]).

قول أئمة الإسلام في من سب الصحابة

أجمع علماء الإسلام على أن الصحابة عدول لا يجوز للمسلم أن ينتقضهم بل ذكر محاسنهم والإعراض عما شجر بينهم.

وقال الإمام أحمد: إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله r بسوء فاتهمه على الإسلام.

وقال إسحاق بن راهويه: من شتم أصحاب النبي r يعاقب ويحبس.

وقال الإمام مالك: من شتم النبي r قتل ومن سب أصحابه أدب.

وقال القاضي أبو يعلى: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلاً لذلك كفر وإن لم يكن مستحلاً فسق.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب في كفره.

وقال أبو زرعة الرازي: إذا رأيت الرجل ينتقض أحدًا من أصحاب النبي r فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول r حق والقرآن الكريم حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة،وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا؛ ليبطلوا الكتاب والسنة فالجرح بهم أولى.

ثناء أكابر أهل البيت على الشيخين

قال الإمام علي رضي الله عنه: لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا جلدته حد المفتري.

وسأل رجل علياً رضي الله عنه:

نسمعك تقول في الخطبة: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين، فمن هم:؟ فاغرورقت عيناه، فقال: هم حبيباي أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله r، ومن اقتدى بهما عُصم ومن اتبع آثارهما هُدى الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما فهو من حزب الله تعالى.

وسئل عبد الله الملقب بالنفس الزكية:

أتمسح على الخفين، فقال: أمسح فقد مسح عمر. فقال له السائل: إنما أسألك أنت تمسح. قال: ذلك أعجز لك, أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيي, فعمر خير مني وملء الأرض مثلي.فقيل له: هذا تقية؟ فقال: نحن بين القبر والمنبر اللهم هذا قولي في السر والعلانية, فلا تسمع قول أحد بعدي ثم قال: من هذا الذي يزعم أن علياً كان مقهوراً وأن النبي r أمره بأمر فلم ينفذه فكفى بهذا إزراء ومنقصة له.

وجاء رجل إلى زين العابدين وقال له:

أخبرني عن أبي بكر، فقال: عن الصديق، فقال: وتسميه الصديق؟ فقال: ثكلتك أمك.. قد سماه«صديقاً»رسول الله r والمهاجرون والأنصار ومن لم يسميه «صديقاً»فلا صدق الله عز وجل قوله في الدنيا والآخرة، اذهب فأحب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما.

وقال لجعفر بن محمد: اللهم إني أتولى أبا بكر وعمر وأحبهما، اللهم إن كان في نفسي غير هذا, فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة.

وجعفر الصادق أنه قال:

ما أرجو من شفاعة «علي»شيئاً إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله.

وأتى محمد بن عبد الله الحسن قوم من أهل الكوفة والجزيرة فسألوه عن أبي بكر وعمر، فقال: إنهما عندي أفضل من علي.

وقال جعفر الصادق: من تبرأ من أبي بكر وعمر فأنا بريء منه.

وهذا قليل من كثير وغيض من فيض ولو أردنا استقصاء ما ورد من أكابر أهل البيت في الثناء على الشيخين رضي الله عنهما لطال بنا المقام.

وإنني أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يهدي قوماً دان على قلوبهم التعصب الطائفي البغيض.

والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.

حكم سب الصحابة لابن حجر الهيثمي

أعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم، فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه منها قوله تعالى: )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ([آل عمران:110]. فأثبت الله تعالى لهم الخيرية على سائر الأمم، ولا شيء يعادل شهادة الله تعالى لهم بذلك؛ لأنه تعالى أعلم بعباده وما انطووا عليه من الخيرات وغيرها، بل لا يعلم ذلك غيره تعالى، فإذا شهد تعالى فيهم بأنهم خير الأمم وجب على كل أحد اعتقاد ذلك والإيمان به وإلا كان مكذباً لله تعالى في أخباره ولا شك أن من ارتاب في حقيقة شيء مما أخبر به الله تعالى أو رسول r كان كافراً بإجماع المسلمين، ومنها قوله تعالى: ) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ( [البقرة:143] والصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين – في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذه الخطاب على لسان رسول الله r حقيقة، فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولاً وخياراً؛ ليكونا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة، وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أو بمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم r إلا نحو ستة أنفس منهم كما زعمته الرافضة قبحهم الله ولعنهم وخذلهم، ما أحمقهم وأجهلهم وأشهدهم بالزور والافتراء والبهتان!!

ومنها قوله تعالى: ) يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( [التحريم:8].

فأمنهم الله تعالى من خزيه ولا يأمن خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام عنهم راض. فآمنهم من الخزي الصريح لهم من أعظم الأدلة على كمال وحقائق الإحسان وأن الله تعالى لم يزل راضياً عنهم حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا( [الفتح:18].

فصرح الله تعالى برضاه على أولئك الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، وهم ألف ونحو أربعمائة، ومن رضي عنه تعالى لا يمكن أن يموت على الكفر؛ لأن العبرة بالوفاء على الإسلام، وإن الرضا من الله تعالى لا يقع إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه راض عنهم، فعلم أن كلا من هذه الآية وما قبلها رد صريح فيما زعمه وافتراه أولئك الملحدون الجاحدون حتى للقرآن العزيز؛ إذ يلزم من الإيمان به الإيمان بما فيه، وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم وأنهم عدول خيار وأن الله تعالى لا يخزيهم وأنه رضي عنهم فمن لم يصدق بذلك فيهم فهو مكذب لما في القرآن ومن كذب بما فيه مما لا يحتمل التأويل كان كافراً جاحداً ملحداً مارقاً. ومنها قوله تعالى: ) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( [التوبة:100].

وقوله تعالى: )لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( [الحشر:8-10].

فتأمل ما وصفهم الله تعالى في هذه الآيات تعلم به ضلال من طعن فيهم من شذوذ المبتدعة ورميهم بما هم بريئون منه. ومنها قوله تعالى: ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( [الفتح:29].

فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية، فإن قوله تعالى )مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ( جملة مبينة للمشهود به في قوله تعالى: ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ( [التوبة:33] ففيها ثناء عظيم على رسوله ثم ثنى بالثناء على أصحابه-رضوان الله عليهم- بقوله: )وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ( وقوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( [المائدة:54].

فوصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على الكفار، وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم، ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص وسعة الرجاء في فضل الله تعالى ورحمته بابتغائهم فضله ورضوانه، وبأن آثار ذلك الإخلال وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت في وجوههم حتى إن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم، ومن ثم قال الإمام مالك رضي الله عنه: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة- رضوان الله عليهم- الذين فتحوا الشام، قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا.

وقد صدقوا في ذلك فإن هذه الأمة المحمدية خصوصاً الصحابة –رضوان الله عليهم- لم يزل ذكرهم معظماً في الكتب. كما قال تعالى: )ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( [الفتح:29].

فكذلك أصحاب محمد r آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع؛ ليغيظ بهم الكفار. ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك في رواية عنه بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم أجمعين حيث يقول: لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر.

وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله تعالى عنهما في قوله بكفرهم، ووافقه أيضاً جماعة من الأئمة أمثال الإمام أحمد بن حنبل والقاضي أبو يعلى وشيخ الإسلام ابن تيمية.

ويكفيهم شرفاً أي شرف ثناء الحق تبارك وتعالى عليهم في الآيات السابقة حيث ذكر تعالى رضاه عنهم ووعده إياهم جميعاً بالمغفرة والأجر العظيم ووعد الله صدق وحق لا يتخلف ولا يخلف لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.

ولو لم يرد من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فيهم شيء مما سبق لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع الجائين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله، ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا, فلا يلتفت إليهم ولا يعول عليهم.

وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي من أجل شيوخ البخاري: إذا رأيت الرجل ينتقض أحدًا من أصحاب رسول الله r فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول r حق والقرآن الكريم حق وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح بهم ألصق، والحكم عليهم بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق.

وقال ابن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً، قال تعالى: )لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى( [الحديد:10] وقال تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ( [الأنبياء:101] فثبت أن جميعهم من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبتت لكل منهم الحسنى وهي الجنة، ولا يتوهم أن التقييد بالإنفاق أو القتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف بذلك منهم لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أو العزم.

ثم الصحابة أصناف فمنهم المهاجرين والأنصار، ومن أسلم يوم الفتح أو بعده، فأفضلهم إجمالاً المهاجرون فمن بعدهم على الترتيب المذكور، وأما تفضيلاً فسباق الأنصار أفضل من جماعة مستأخري المهاجرين وسباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار ثم هم بعد ذلك يتفاوتون، قرب متأخر إسلاماً أفضل من متقدم كبلال.

وقال أبو منصور البغدادي: أجمع أهل السنة أن أفضل الصحابة أبو بكر فعمر فعثمان فعلي فبقية العشرة المبشرين بالجنة فأهل بدر فباقي أهل أحد فباقي أهل بيعة الرضوان بالحديبية فباقي الصحابة.

ويجب الإمساك عما وقع بينهم من الاختلاف صفحاً عن أخبار المؤرخين لا سيما جهلة الروافض، وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم.

حكم سب الصحابة لشيخ الإسلام ابن تيمية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

أما بعد…

من سب أحداً من أصحاب رسول الله r من أهل بيته وغيرهم, فقد أطلق الإمام أحمد أنه يضرب ضرباً نكالاً وتوقف عن قتله وكفره.

قول أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي r قال: القتل أجبن عنه ولكن أضربه ضرباً نكالاً. وقال عبد الله: سألت أبي عمن شتم أصحاب النبي r قال: أرى أن يضرب قلت له حد ؟ فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب. وقال: ما أراه على الإسلام. وقال سالت أبي: من الرافضة ؟ فقال: الذي يشتمون أو يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال في الرسالة التي رواها أبو العباس أحمد بن يعقوب الاصطخري وغيره: وخير الأمة بعد النبي r أبو بكر وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله r بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم ولا يطعن أحدًا منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتبه فإن تاب قُبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع.

وحكى الإمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم وحكاه الكرماني عنه وعن إسحاق والحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم. وقال الميموني: سمعت أحمد يقول ما لهم وما لمعاوية نسال الله العافية، وقال لي يا أبا الحسن إذا رأيت أحداً يذكر أصحاب رسول الله r بسوء فاتهمه على الإسلام, فقد نص رضي الله عنه على وجوب تعزيزه واستتابته حتى يرجع بالحد وإن لم ينتبه حبس حتى يموت أو يرجع، وقال: ما أراه على الإسلام، وقال: واتهمه على الإسلام، وقال: أجبن عن قتله.

وقال إسحاق بن راهوية: من شتم أصحاب النبي r يعاقب ويحبس وهذا قول كثير من أصحابنا؛ منهم ابن أبي موسى قال: ومن سب السلف من الروافض فليس بكفُؤ ولا يزوج، ومن رمى عائشة رضي الله عنها بما برَّأها الله منه فقد مرق من الدين، ولم ينعقد له نكاح مسلمة إلا أن يتوب ويظهر توبته، وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين.

قال الحارث بن عتبة: إن عمر بن عبد العزيز أتى برجل سب عثمان فقال: ما حملك على أن تسبه؟ قال: أبغضه. قال: وإن أبغضت رجلاً سببته قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطاً. قال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلا رجل شتم معاوية فضربه أسواطاً (رواهما اللالكائي). وقد تقدم عنه أنه كتب في رجل سبه لا يقتل إلا من سب النبي r، ولكن أجلده فوق رأسه أسواطاً لولا أني رجوت أن ذلك خيراً له لم أفعل.

وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا عاصم الأحول قال: أتيت برجل قد سب عثمان قال فضربته عشرة أسواط, قال: ثم عاد لما قال, فضربته عشرة أخرى, قال: فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطاً. وهو المشهور من مذهب مالك، قال مالك: من شتم النبي r  قُتل ومن سب أصحابه أُدب. وقال عبد الملك بن حبيب: من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة من أدب أدباً شديداً أو من زاد على بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ القتل إلا في سب من بعد النبي r.

وقال القاضي أبو يعلى الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلاً لذلك كفر وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع إسلامهم وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة.

قال محمد بن يوسف الفريابي: وسئل عمن شتم أبا بكر قال: كافر, قيل: فيصلي عليه قال: لا. وسأله كيف يصنع به وهو يقول “لا إله إلا الله” قال: لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته.

وقال أحمد بن يونس: لو أن يهودياً ذبح شاه وذبح رافضي شاه لأكلت ذبيحة اليهودي ولم آكل ذبيحة الرافضي؛ لأنه مرتد عن الإسلام. وكذلك قال أبو بكر بن هانئ: لا تؤكل ذبيحة الروافض والقدرية كما لا تؤكل ذبيحة المرتد مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي؛ لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد، وأهل الذمة يقرون على دينهم ويؤخذ منهم الجزية. وكذلك قال عبد الله بن إدريس من أعيان أئمة الكوفة: ليس لرافضي شفعة إلا لمسلم.

وقال فضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة إلى الله، وما أمتنع عن ذلك إلا بالجواز، وفي رواية قال: رحمك الله قذفت إنما تقول هذا تمزح، قال لا والله ما هو بالمزاح ولكنه الجد، قال وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم.

وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم.

وقال أبو بكر عبد العزيز في المقنع: فأما الرافضي, فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج. ولفظ بعضهم وهو الذي نصره القاضي أبو يعلى: إنه إن سبهم سباً يقدح في دينهم وعدالتهم كفر بذلك، وإن سبهم سباً لا يقدح مثل أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سباً يقصد به غيظه ونحو ذلك لم يكفر.

قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان هذا زندقة.

وقال في رواية المروزي من شتم أبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام وقال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله وكمال الحد وإيجاب التعزيز يقتضي أنه لم يحكم بكفره. قال فيحتمل أنه يحمل قوله ما أراه على الإسلام إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي، قال ويحتمل قوله ما أراه على الإسلام سب يطعن في عدالتهم نحو قوله ظلموا وفسقوا بعد النبي r، وأخذوا الأمر بغير حق، ويحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله كان فيهم قلة علم وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شح ومحبة للدنيا ونحو ذلك، قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهرة فتكون في سابهم روايتان: أحداهما يكفر، والثانية يفسق. وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره حكماً في تكفيرهم روايتين. قال القاضي ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، ونحن نرتب الكلام في فصلين:

أحدهما في سبهم مطلقاً، والثاني في تفصيل أحكام الساب.

أما الأول: فسب أصحاب رسول الله r حرام بالكتاب والسنة. أما الأول: فلأن الله سبحانه يقول: )وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا( وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتاباً. وقال تعالى: )وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(. وهم صدور المؤمنين فإنهم هم المواجهون بالخطاب في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا( حيث ذكرت ولم يكتسبوا ما يوجب آذاهم، لأن الله سبحانه وتعالى رضي عنهم رضي مطلقاً بقوله: )وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ( فرضي الله عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان. قال تعالى: )لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ( والرضا من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن علم أنه يوافيه على موجبات الرضا ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً وقوله تعالى: )إِذْ يُبَايِعُونَكَ(، سواء كانت ظرفاً محضاً أو كانت ظرفاً فيها معنى التعليل فإن ذلك لتعلق الرضا بهم فإنه يسمى رضا أيضاً كما في تعلق العلم والمشيئة والقدرة وغير ذلك من صفات الله سبحانه، وقيل بل الظرف يتعلق بجنس الرضا وإنه يرضى عن المؤمن بعد أن يطيعه ويسخط عن الكافر بعد أن يعصيه، ويحب من ابتع الرسول بعد أتباعه له وكذلك أمثال هذا، وهذا قول جمهور السلف وأهل الحديث، وكثير من أهل الكلام وهو الأظهر، وعلى هذا فقد بين في موضع آخر أن هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذين به يستحقون ذلك كما في قوله تعالى: )وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ( [التوبة:100]. وقد ثبت في الصحيح عن النبي r أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». وأيضاً فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه بعد إيمانه وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك وهذا كما في قوله تعالى: )يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي( [الفجر: 27-30] ولأنه سبحانه وتعالى قال: )لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( [التوبة: 117]. وقال سبحانه وتعالى: )وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ( [الكهف:28] وقال: )مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ(، وقال تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا(. وهم أول من وجه بهذا الخطاب فهم مرادون بلا ريب. وقال سبحانه وتعالى: )وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( [الحشر:10]. فجعل سبحانه ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للمهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم مستغفرين للسابقين وداعين الله أن لا يجعل في قلوبهم غلاً لهم فعلم أن الاستغفار لهم وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه ويثنى على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسوله في قوله تعالى: ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ( [محمد:19]. وقال تعالى: )فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ( [آل عمران:159].

ومحبة الشيء وكراهته لضده فيكون الله سبحانه يكره السب لهم الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هم ضد الطهارة، وهذا معنى قول عائشة رضي الله عنها أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبوه (رواه مسلم).

وعن مجاهد عن ابن عباس قال: لا تسبوا أصحاب محمد r فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم. وقد علم أنهم سيقتتلون (رواه الإمام أحمد).

وعن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت قال ثم قرأ )لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ( فهؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت.

)وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ( إلى قوله: )وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ( قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت. ثم قرأ )وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ( إلى قوله )رَحِيمٌ(. قد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت يقول: )إن تستغفروا لهم( ولأن من جاز سبه بعينه أو بغيره لم يجز الاستغفار له كما لا يجوز الاستغفار للمشركين لقوله تعالى: )مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ( [التوبة:113]، وكما لا يجوز أن يستغفر لجنس العاصين مسمين باسم المعصية؛ لأن ذلك لا سبيل إليه, ولأنه شرع لنا أن نسأل الله أن لا نجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا والسب باللسان أعظم من الغل الذي لا سب معه ولو كان الغل عليهم والسب لهم جائزاً ألم يشرع لنا أن نسأله ترك ما لا يضر فعله، ولا وصف مستحق الفيء بهذه الصفة كما وصف السابقين بالهجرة والنصر فعلم أن ذلك صفة لمؤثر فهم، ولو كان السب جائزاً لم يشترط في استحقاق الفيء ترك أمر جائز كما لا يشترط ترك سائر المباحات بل ولم يكن الاستغفار لهم واجباً لم يكن شرطاً في استحقاق الفيء لا يشترط فيه ما ليس بواجب بل هذا دليل على أن الاستغفار لهم داخل في عقد الدين وأصله.

وأما السنة ففي الصحيحين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله r:«لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». وفي رواية لمسلم واستشهد بها البخاري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد. فقال رسول الله r «لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». وفي رواية للبرقاني في صحيحه: «لا تسبوا أصحابي، دعوا لي أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»والأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه وذلك يقع على قليل الصحابة وكثيرها؛ لأنه يقال صحبته ساعة وصحبته شهراً وصحبته سنة، قال الله تعالى: )وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ( [النساء:36]. وقد قيل هو الرفيق في السفر وقيل هو الزوجة، ومعلوم أن صحبة الرفيق وصحبة الزوجة قد تكون ساعة فما فوقها وقد أوصى الله به إحساناً مادام صاحباً، وفي الحديث عن النبي r «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره».

وقد دخل في ذلك قليل الصحبة وكثيرها وقليل الجوار وكثيره، وكذلك قال الإمام أحمد وغيره: كل من صحب النبي r سنة أو شهر أو يوماً أو رآه مؤمناً به فهو من أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك. فإن قيل: فلم نهى خالداً عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضاً وقال: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدكم ولا نصيفه». قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد أو أمثاله يعادونه فيه وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى فقد انفردوا من الصحابة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه