أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » القرآن الكريم » من تفسير مانفدت كلمات الله

من تفسير مانفدت كلمات الله

 

 

يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز

وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْض مِنْ شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يَمُدّهُ مِنْ بَعْده سَبْعَة أَبْحُر مَا نَفِدَتْ كَلِمَات اللَّه  ( سورة لقمان  الآية 27 )

تتجلّى لنا أهمية الأمثال القرآنية بما تمتلكه من قدرة مؤثرة في النفس البشرية، وانفعالها من خلال البراعة في التصوير، والقدرة على التشخيص، وقوة الحركة ونقل الصورة من الفكر المجرد إلى الحسّ المشاهد المتحرك، وهذا أدعى إلى إيقاظ همم المخاطب، وبعث كوامن نفسه، واستنهاض أحاسيسه ومشاعره ووجداناته ، للإقبال نحو تحقيق غرض التمثيل وغاياته فحقيقة ما يعقب من آيات الوصف للجنان بمعان مزهرة و بليغة ولطائف واشارات تنفذ الى وجدان الفرد فيتلقاها بمكامنه المثلى وآفاقه العرفانية وذوق راسخ يسمو بروحه لأن هذه الحقائق هي أكثرعمقا وتترقى بعرفان العبد ودرجة تحصيله وقربه

فما أجل آيات الله المودعات في خلقه حتى أن العقول قد تحير في معرفة كنه هذا العلم الذي يضاهي كل شيء

فهذا علم الله المحيط وحقائق

الأشياء تبدو بما هو مكنون في ذواتها وأزواجها لغايات مسطرة بعلم الواهب وهي مودعة باحكام لاتتجاوز مجالاتها المخلوقة ، وكلما تعمق العلم الا واقترب من عالم النور والحقيقة المستمد من علم الواهب العليم الحكيم ، فلا غرابة اذن بل هي كشوف تزيدنا ايمانا ويقينا بالله ، وتزيدنا معرفة أن أصل حقائق الأشياء مستمدة من أنوارالعليم الحكيم الذي خلق وقدر وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى برحمة منه ويسر أنوار رحماتها لعباده ، فمن يتأمل قوانين العالم الكمي تتضح له هذه المعالم الرهيبة بجلال علوم الواهب الخالق كلما تفكر العبد في هذا الخلق المحكم الذي يعد بحق آية بديعة من صنع الله ، فلا تفاوت فيما خص به مكنون خلقه ولا فطور في صفاته ومنظوماته فكيف نطلب الدليل على ما هو دليل لنا على كل شيء، فأي دليل طلبناه عليه فوجوده أظهر منه

وبما أن هذا خلق الخالق الحكيم اذن فهو الذي حدد أنماط صفات خلقه بصفات حكيمة وبها يبدو هذا الخلق البديع في واقع حياتنا بصفات تتلائم مع ادراكاتنا الحسية ، فانه سبحانه قادر أن يخلق من شكله أزواج غير التي نعرف وأن يغمره بما شاء كيف شاء وأن يبديه كيف شاء اذا شاء فيرى المرء العجب العجاب ، وشاء الحق أن يخلق خلقه ويبديه لخلقه بهذه الصفة البديعة ودعا خلقه الى التفكر في بديع خلقه ، فيعرفوا بعد تدبرهم أن هذا الخلق هو حقا لله وهذا الخلق وسعه علمه ورحمته ، وهو خلق لله تعالى لأنه قائم بالسعة والرحمة وقائم بعلم مكنون وفيه من معالم الأنوار ما يشع في محيطه لايتجاوزه الا بفتح منه وهذا حقا يذهل العقول ويأخذ بالألباب يتكامل عند الناظرين المتدبرين المنصفين فيدركوا كنهه القائم على السعة والرحمة بما حبا الله مكنون الذرة فلا تفاوت في مجالاتها الا بما خصها الخالق الواهب الحكيم فاذا سلب مخصوصياتها فلا يبقى حكم ولا نظر ؟

فالطبيعة جميلة، فالجمال إذن يُعد معياراً في تناول العلوم وفلسفته ونظرياته، والعالم الذي يعمى عن رؤية هذا الجمال هو قليل الحظ من العلم ، فهذا رائد في مجال علم ميكانيكاً الكم “هايزنبيرغ” يقول: النظرية مقنعة بفضل كمالها، وجمالها التجريدي ، وأن الفيزياء الذرية المعاصرة قد نأت بالعلم عما كان يتسم به من اتجاه مادي في القرن التاسع عشر

يقول الفيزيائي”لويس دوبرجلي”:كان الإحساس بالجمال في كل عصر من تاريخ العلوم دليلاً يهدي العلماء في أبحاثهم ، ويؤكد الفيزيائي “ريتشارد فينمان”: إن المرء يمكن أن يستبين الحقيقة بفضل جمالها، وبساطتها وروعتها.. ففي الطبيعة بساطة ومن ثم جمال عظيم

انها تصانيف جمالية لا حصر لها هي غاية في الإبداع والدقة والإنسجام والتناسق المبهر ، صفات تبعث علي البهجة والسرور باستقراءات الحواس المتجاوبة لروعة المشهد المدرك أنها حقا آية من آيات الإبهار الجمالي والإعجاز اللوني والانعكاس الضوئي المرئي

إن الجمال في مجال الفيزياء سمة غالبة، فالتجربة قد تخطئ، والجمال قلما يخطئ فهو يثبت الحياة في العلم ، والحقيقة أنه ليست هنالك ضرورة إذ يمكنها أن تسير دون ذلك تفرض في المقام الأول أن تشتمل القوانين الفيزيائية للطبيعة علي البساطة والتاسق والتناسب والتماثل والتألق والروعة والإبهار

تتفجر الأنهار وسط الأحجار، وتتشقق فتخرج منها الماء، وتهبط من خشية الله، ياله من جَمال وروعة تنضح به “جمادات” الكون ، أي تشقق الأرض الجامدة فنرى الهندسة الرائعة ، خطوط وتداخلات وكأنها لوحة فسيفساء

وما نفذت كلمات الله وهذا وصف الله تعالى في الآية التي ذكرناها بإحاطة العلم بجميع الأشياء ظاهرةً وخفيةً ، ولا يستطيع العلم

التنبأ بشيء في شساعة هذا العلم المتسع بأنواره الجامع بحكمته لأسبابها

المتباعدة وعلماء الذرة عانوا من مضاهاة هذا العلم الرهيب الذي لا يخضع للمختبر وذلك بأسراره الكامنة في محيط جزئيات

الذرة وما دونها التي ألف بين جزئياتها بعلمه المحيط ومضاهاة هذا العلم الرهيب تتجلى حقائقه من أن هذه الجزيئات ليست في حاجة إلى أية إشارة أو ترابط من أجل التواصل مع بعضها ، وهذا ببساطة لأن الانفصال بينها هو مجرد وهم والانفصال الظاهر هو تصور من مستوى أعلى للحقيقة ، حيث كل شيء مرتبط ببعضه وتتصرف الجزيئة كما لو كانت تعرف مصير الجزيئة الأخرى وذلك لأن لديها المعلومات الخاصة بالجزيئة الأخرى داخلها ، اذن فالعلم اشار الى الترابط الحقيقي والى

الارتباط المطلق لكل شيء ببعضه بعضا ، فما فنيت اذن متعلقات علمه وحكمته

فكلمات الله لا تنقطع أبدا لأنها من عيون الحكمة كما أن ماء العين لا ينقطع عن عينه وكيف ينقطع وحكمة الحكيم تلقين من رب العالمين وفيض من خزائنه وخزائنه لا تنفذ فهو سبحانه عزيز لا يعجزه شئ وحكيم لا يخرج عن علمه وحكمته أمر

فلا علم من غير الاعتقاد بوجود تناسق وتناغم داخلي في الكون ، تناسق الأجزاء مع بعضها البعض ومع الكل الجامع

————————————————————————