أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » القرآن الكريم » صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج 5

صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج 5

: صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج5

كاتب المقالة: جمع وتحقيق الدكتور عاطف الكومى

تاريخ الاضافة: 31/10/2013

الزوار: 490

 

الصورة الثامنة:

:: الجمال الثابت في القرآن الكريم ::

(وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ وجنّات من أعناب وزرع ونخيلٌ صنوانٌ وغير

صنوانٍ…) (الرعد/ 4).

ثمّة حقيقة مهمة لابدّ لنا أن نقرّرها، قبل أن نضع أيدينا على اللمسات

الجمالية لهذه الصورة، وهي “إنّ النفس الإنسانية إذا تكرّرت عليها أروع مناظر

الطبيعة، سوف يفقدها ذلك التكرار الشعور بلذة النظرة الأولى، التي يستغرق

الإنسان فيها، وتصبح تلك المناظر شيئاً معتاداً للنفس ومألوفاً”، فهذه الأرض

التي تطؤها أقدام الملايين من الناس كل يوم، تحمل من مناظر الجمال الشيء

الكثير، بل والكثير جدّاً، فمن ينكر جمال الأنهار والبحار، والجبال والوديان،

والبساتين والغابات، والرياض والواحات… إلخ، لكنّ هذه المناظر الجميلة،

نتيجة للألفة والتكرار الحاصل عن طريق المشاهدة اليومية، نرى أنّ “الكثيرين

يمرّون عليها فلا تثير فيهم حتى رغبة التطلّع إليها…!”، لكنّ الرجوع إلى

جمال النظرة الأولى، أو التأمّل والتدبّر في النظرات اللاحقة، سوف لا يبخس

هذه القطع المتجاورات حقها من الجمال.

المفكر الإسلامي سيد قطب، حينما يدنو من هذه الآية ليتفيأ ظلالها، نجده يشير

– بطرف خفي – إلى الجمال الثابت فيها، ولكنه يجعل هذا المجال ضمن لوحةٍ فنية،

وذلك بيّن من خلال قوله: “ثمّ تمضي الريشة المبدعة في تخطيط وجه الأرض…”،

وهكذا حينما تستوقفه الكلمة القرآنية (وزرع) يقول:

 

“والزرع من بقول وأزهار وما أشبه. مما يحقق تلوين المنظر، وملء فراغ اللوحة

الطبيعية”، ونحن نعتقد أنّ الجمال في هذه الآية لا تجمعه لوحة، وإنما هو في

صورة إطارها الأرض، ولقطاتها (جنات من أعناب) (وزرع) (ونخيل”، والفرق واضح

بين اللوحة التي ترسمها الريشة، وبين الصورة التي تلتقطها آلة التصوير، هذا

من جهة، ومن جهةٍ ثانية، لابدّ أن نوضّح أنّ الصورة ربّما تكون واحدة، ولكنّ

اللقطات فيها مختلفة ومتعدّدة، كما هو الحال في الآية الشريفة، فلو أردنا أن

نرتقي مرحلة أكثر من ذلك – أي من الصورة واللقطة – لقلنا: إنّ البعض ممن

كتبوا في اللحاظ الفني للقرآن الكريم وأسّسوا له، أمثال سيد قطب، والدكتور

محمد حسين الصغير، والدكتور محمود البستاني.. وغيرهم، مع أنّهم أبدعوا غاية

الإبداع فيما كتبوا، لكنهم تحدّثوا عن وجود صورة في القرآن الكريم، ولكننا قد

أثبتنا من خلال دراسة سابقة، أنّ القرآن الكريم فيه آلتان للتصوير، الأولى

“فوتوغرافية”، والثانية “سينمائية” إن صح التعبير.

فالذوق السليم، والحسّ المرهف، هو الحاكم على الفرق بين صورة (وفي الأرض قطعٌ

متحاورات وجنات وأعناب وزرع ونخيلٌ صنوانٌ وغير صنوان) وبين صورة (فيهما

عينان تجرميان) (الرحمن/ 50)، أو (فيهما عينانِ نضّاختان) (الرحمن/ 60)،

فالصورتان التقطتهما آلة التصوير السينمائي هاهنا، وسنسلّط الأضواء بكثافة

على نماذج أخرى حين الحديث عن “مظاهر الجمال المتحرّك في القرآن الكريم” إن

شاء الله، أمّا صورة (وفي الأرض…) وما تحمله من جمال فلا داعي للإطراء عليه

أكثر، وما تبعها في الصور السبع، فهي ملتقطة بآية التصوير “الفوتوغرافي”،

بشكلٍ جعلها مشرقة في ألوانها الطبيعية، شاخصة في تجسيمها للمنظر، ورشيقة في

ما تحمله من جمال أخّاذ مع أنّه جامد وهامد وثابت…!

———————————————————————-