أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » القرآن الكريم » صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج 4

صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج 4

صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج4

كاتب المقالة: جمع وتحقيق الدكتور عاطف الكومى

تاريخ الاضافة: 31/10/2013

الزوار: 524

 

الصورة السادسة:

(حورٌ مقصوراتٌ في الخيام)… (لم يطمثهنّ إنسٌ قبلهم ولا جان) (الرحمن/

72-74)، الصور الجمالية التي التقطتها العدسة القرآنية “للحور” متعددة

ومتنوّعة ومتخذة أساليب خاصة في الترغيب، (متكئين على سررٍ مصفوفة وزوّجناهم

بحورٍ عين) “الطور/ 20)، فهذه لقطة ركّزت العدسة فيها على نقطة هي غاية في

الإثارة، لأنّ هذه الحور “عِين” أي وكما يقول ابن عباس (رضى الله عنه): “عظام

الأعين، حسان الوجوه” ومن هذا نفهم أنّ النقطة التي رصدتها العدسة هي “سعة

العين”، ولا يخفى ما لسعة العين من إثارة في حياتنا الدنيا، فضلاً عن تلك

العيون الواسعات الساحرات التي تحملها وجوه تلك الحور العين.

وعلى صعيد آخر نرى أنّ القرآن الكريم، حدّثنا عن “حور عين” لكن من طرازٍ آخر،

حيث التركيز على المشبّه به (كأمثال اللؤلؤ المكنون) (الواقعة/ 23)، والمكنون

من اللؤلؤ هو “المصون الذي لم يتعرض للمسّ والنظر، فلم تثقبه يد، ولم تخدشه

عين…!”. فآية (وحورٌ عين) تتبعها مباشرة آية (كأمثال اللؤلؤ المكنون)،

فالقرآن الكريم يرغبنا بالحور ولكن ضمن غثارات متعددة، فحور لها عيون واسعة،

وحور لم تطلها يد، فهي كاللؤلؤ المكنون، وحور أخريات تحدّثنا عنها هذه الصورة

(حورٌ مقصورات في الخيام) أي “قصرن في أماكنهنّ، والنساء تمدح بذلك، إذ

ملازمتهنّ البيوت تدلّ على صيانتهنّ”، فالجمال الظاهر للخيام، ومفردها خيمة،

وكيف أنها رصفت بشكل منظم وجميل، وجمال باطن يكمن في الحور المصونات، اللواتي

لا نصيب لغير أزواجهنّ فيهنّ، وهاهنّ داخل هذه الخيام، وجمال ثالث داخل هذه

الحور، أفصحت عنه الآية الكريمة: (لم يطمثهنّ إنسٌ من قبلهم ولا جان) ومعنى

ذلك “لم يمسسهنّ بالنكاح إنس ولا جان قبل أزواجهنّ”، فالبكارة جمال معنوي –

وقد أشار إليه القرآن الكريم في مكانٍ آخر: (فجعلناهُنّ أبكارا) (الواقعة/

36)، لما فيها من الترغيب – داخل الحور العين، وهذا جمال مادي داخل الخيام،

والخيام بمجموعها وبمنظرها الخارجي، جمال ثلث يضفي على الجمالين بعداً تستأنس

له النفوس، ولو قدّر لنا أن نشيّد للجمال عمارة بطوابقها الثلاث، لما تخطّينا

هذه الآية، إلا أنّ هذا الجمال بكل تفاصيله جامد غير متحرك، ولكنه يستهوي

القلوب، ويحرّك الإنسان نحو العمل الصالح، كي يرى بأم عينه، جمال تلك الخيام،

وجمال المرابطات فيها، وجمال طهارتهنّ التي ما أغفلتها اللوحة المرسومة على

صفحات القرآن الكريم…!

 

 

الصورة السابعة:

(ألا ينظرون إلى الإبلِ كيفَ خُلِقت * وإلى السماء كيف رُفعت * وإلى الجبالِ

كيف نُصبت) (الغاشية/ 17-19)، إنها دعوة مفتوحة من الخالق المصوّر المبدع،

إلى العين الإنسانية، أن تتدبّر وتتأمّل، مطالبةً البشرية (… أفلا

ينظرون…) أن تعي أبعاد الجمال هذه المرّة بحاسة البصر، إذ لابدّ أن تتسع

فتحةُ عدسة العين الإنسانية، كي تستوعب هذه المفردات الثلاث: الإبل المخلوقة،

والسماء المرفوعة، والجبال المنصوبة، ولو تأمّلنا دور حاسّة البصر في إدراكها

للجمال، لوجدناها وكما يقول الدكتور محمد زغلول: “في مقدمة الحواس المقدّرة

للجمال، والتي تدركه وتنقله إلى النفس يقول جويو: (إنّ الإحساسات التي يصح

نعتها بالجمال على أتمّ وجه، هي الإحساسات البصرية)، حتى عرّف ديكارت

(الجمال) بقوله: هو ما يروق العين”.

فلقد رصد المصور المبدع، ثلاثة إرتفاعات – لكل منها جماله الخاص – ليست

بغريبة عن ذهنية ذلك الحجازي في الجزيرة العربية، فهو وسط هذه الصحراء ينظر

إلى الإبل، ولكن كيف خلقت…؟

وينظر إلى السماء، ولكن كيف رفعت…؟

وينظر ثالثة إلى الجبال، ولكن كيف نصبت…؟

ثلاث صور لا ينكر جمالها، وإبداع خالقها إلا الحس المتبلّد، فهذه الجمال

جمالها أنها خلقت بشكلٍ يلائم وظيفتها الصحراوية، وتلك السماء الجميلة: “من

ذا رفعها بلا عمد…؟ ونثر فيها النجوم بلا عدد…؟ وجعل فيها هذه البهجة

وهذا الجمال وهذا الإيحاء…؟”.

أسئلة أجوبتها تكمن في القلوب والعقول المتفتّحة، والتي تفقه للجمال قيمة،

فالسماء في الصحراء، غير السماء في غيرها، بل كل شيء في الصحراء يبدو أنّه

يختلف عن غيره، فالشروق والزوال والمغيب، صورٌ لها إيحاءاتها هناك، وهكذا

الليل وما فيه من إيقاعات وألحان تعزفها قيثارة الصحراء، فترقص النجوم على

أنغامها الفاترة، حينها تخرّ النفس الإنسانية، خاشعة متصدّعة من خشية الله،

وتملأ الصحراء بصوتها المدوّي: (… ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقِنا

عذاب النار) (آل عمران/ 191

وتكتمل الصورة بالجبال، التي كستها الطبيعة بأروع مناظرها، فلا يكاد إنسان

سليم لا يبهره جمال الجبال، وعظمة خالقها، وكل ذلك الجمال للإبل المخلوقة،

والسماء المرفوعة، والجبال المنصوبة، جامد هامد، وقّار لا نجد له حركة تذكر.

————————————————————————