أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » القرآن الكريم » صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج 3

صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج 3

صور من الجمال الثابت فى القرآن الكريم ج3

كاتب المقالة: جمع وتحقيق الدكتور عاطف الكومى

تاريخ الاضافة: 31/10/2013

الزوار: 505

 

الصورة الرابعة:

(وجوهٌ يومئذٍ ناعمة) (الغاشية/ 8)، جمالٌ وجلال، وهيبةٌ وكمال، يرتسم أما

عينيك وأنت تتطلع هذه الوجوه، فتشتاق النفس الإنسانية أن تكون منها، وتتمنّى

أن تتصف بصفاتها، إذ هي (ناعمة)، وما أدراك ما الوجوه الناعمة…؟ ثمّ ما

أدراك ما الناعمة…؟ إنها لقطة لوجوهٍ “ذات نظرةٍ وبهجةٍ وحسن”، إنها مرآة

تعكس لنا صور وجوهٍ “ناعمةٍ ناضرةٍ ضاحكةٍ مستبشرةٍ مبيضةٍ”، إنها باختصار

صورة صغيرة، لكنها اختزلت لنا في داخلها معاني كبيرة، فالعدسة القرآنية، لم

تلتقط هذه الصورة للوجوه بما هي وجوه، وإنما التقطتها لها، بما هي (وجوهٌ

ناعمة)، فجمال الصورة ساكنٌ وقّار، ولكنه متحرّك بالسلّم الموسيقي للفظة

ناعمة.

إنّها كلمة واحدة، ولكنك ترى فيها نعيم الجنّة بكل أبعاده، فالناعمة من

الوجوه مورد لهيام الإنسان في الحياة الدنيا، يقول السيّد حيدر الحلّي:

مَنْ رأى خدّيكِ قال العجبُ **** كيفَ في الماءِ يشعُّ اللهبُ

وهذا الأمر لا ينكر جماليته من يمتلك أدنى مستوى من سلامة الذوق، وحياتنا

المعاصرة أكبر شاهد على ذلك، لأننا نرى الملايين من المساحيق والدهون تصنع

هذه الأيّام، والغاية منها نعومة الوجه، ويا ليتها نعومة باقية، بل هي زائلة

بزوالِ مؤثرها، أمّا تلك التي رصدتها العدسة القرآنية، نعومة مشخّصة باقية

بكلا بعديها، حيث النعمة وآثارها على تلك الوجوه (تعرف في وجوههم نضرة

النعيم) (المطففين/ 24)، وحيث اللطافة والحسن والرقّة، التي ما غفل عنها جمال

هذه الصورة الرائعة.

 

 

الصورة الخامسة:

(في سدرٍ مخضود * وطلحٍ منضود) (الواقعة/ 28-29)، يا له من جمالٍ باهر، وسرٍ

آسر، وكيف لا يكون كذلك وهو كلام “جميل يحبّ الجمال”، إنّ المصوّر المبدع جعل

الإطار في هذه الصورة واحداً، وأعطاه قيمة جمالية عالية، حينما ملأهُ بصورتين

جميلتين، لمنظرين مختلفين هما “شجرة النبق” و”شجرة الموز”، وهذا المعنى يكاد

يتّفق عليه المفسّرون، فالصورة الملتقطة ناظرة إلى المخضود من السدر، أي

“مكسور الشوك”، وإلى المنضود من الطلح، أي الذي “ركب بعضه بعضاً”، فالجمال

خالٍ من الحركة، ولكنّ النفس تنجذب إليه على إستقراره، وكشاهد على ذلك، نلاحظ

أنّ فاكهة الموز، اتخذت شكلاً جمالياً لنفسها يفتن العقول وتمثّل في أمرين:

الأوّل: الجمال الظاهري، الذي يشع من خلال اللون الأصفر للقشر الخارجي من

جسمه، ومن جهةٍ ثانية الإتحاد الذي جعل أفراد هذه الفاكهة متراصفة متماسكة

ينتمي بعضها لبعض الآخر بقوّة، الأمر الثاني: الجمال الداخلي الذي يحسّ به

الإنسان من خلال الطعم اللذيذ لهذه الفاكهة.

 

عودٌ على بدء، فالقرآن الكريم لا يحدثنا عن “الموز” والنبق” بما هما فاكهتان،

وإنما يعرض الصورة لشجرتين، في كل واحدةٍ منهما إثارة، حيث الأولى (السدر

المخضود) خالية من الشوك، والثانية (الطلح المنضود) رصّف الثمار فيها بشكلٍ

بديع وجميل ومن دون تدخل لليد البشرية في ذلك.

الإثارة الأخرى التي يطرحها المفسّرون بخصوص هاتين الآيتين (في سدر مخضود *

وطلح منضود)، ناظرة إلى جمال آخر – إضافة إلى جمال الثمار – وهو جمال الأوراق

التي “يجمعها نوعان: أوراق صغار، وأوراق كبار، فالسدر في غاية الصغر، والطلح

– وهو شجر الموز – في غاية الكبر”، من ذلك كله نفهم أنّ الجمال متداخل، في

طريقة عرض الثمار، وألوانها وأوراق تلك الأشجار وأحجامها، والأملس من

سيقانها، وفي كلا الصورتين جمال ساكنٌ لكنّه ممتع، ولا ينتهي الجمال بهذه

المرحلة، فلو تتبعنا سياق الآيات اللاحقة، لوجدنا فيها تجانساً جميلاً جدّاً،

فالشجرتان المتقدمتان هما لأصحاب اليمين، وبعبارة أوضح لأهل الجنّة، والآيات

التي بعدها، تحمل لنا صورة لشجرةٍ أخرى، ولكنها لأصحاب الشمال أي لأهل النار،

يقول تعالى: (لآكلون من شجرٍ من زقُّوم) (الواقعة/ 52)، إنها صورة لشجرةٍ

يخدش لفظها المشاعر، إنّها شجرة الزقّوم، التي تعد “شجرة غبراء صغيرة الورق

مدوّرتُها لا شوك لها ذفرة مُرّة”. ولهذا تشترك الأشجار الثلاثة “شجرة النبق”

و”شجرة الموز” و”شجرة الزقُّوم” بخصلةٍ واحدةٍ، وهي أنها مخضودة من الشوك،

وهذا جمال هامد ما غفلته الصورة الملتقطة هاهنا.

———————————————————————-