أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » القرآن الكريم » الإعجاز العلمى فى قوله تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس

الإعجاز العلمى فى قوله تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس

 

 

الاعجاز في قوله {وتلك الايام نداولها بين الناس}

وتلك الأيام نداولها

تتعاقب الأيام والسنون، وتتقلب مع تعاقبها أحوال الناس وتتغير وتتبدل،ففي

كل يوم

شأن وفي كل سنة أمر. ‏‏كل ذلك بسبب سعي الناس وكسبهم، وبحسب اجتهادهم

وفلاحهم أو عجزهم وخيبتهم. وهنا تثور بعض ‏‏الاسئلة الكبرى. كيف تتداول

الأيام

ولماذا تتداول وما موقف المسلم من كل ذلك التداول؟

ونتلمس الإجابة على ذلك فيما يلى وباختصار.‏

مفتاح النظر في تداول الإيام قول الله تعالى:

(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ

لأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا ‏‏بَيْنَ النَّاسِ

وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ

وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين *

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ ‏‏وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ)

سورة آل عمران الآيات 140-141.‏

 

 

هذه الآية تبين أن الأيام يداولها الله تعالى بين الناس. والمداولة معناها في

اللغة – كما

ذكر المفسرون – نقل ‏‏الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا

تناقلته، ومنه

قوله تعالى في سورة الحشر: آية 7:

(كَى لاَ ‏‏يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ)

أي الأموال تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً. والآية تشير إلى حدث

‏‏بعينه

كمثال لتنقل الإيام بين الناس لتجعله قاعدة عامة وهو ما أصاب المسلمين في

غزوة أحد من قرح وهو ‏‏القتل والجراحات والهزيمة، فإذا كان ذلك قد وقع

بالمسلمين فقد وقعت بأعدائهم هزيمة وقتل وجراحات سابقة ‏‏في بدر، وكذلك

يداول الله تعالى الأيام بين الناس، يعني يداول ما يصيب الناس فيها من منافع

ومضار، فيوم ‏‏يحصل فيه السرور للمسلمين ويحصل فيه الغم للأعداء، ويوم آخر

بالعكس من ذلك.‏

 

 

ومع أن الآية لا تكشف في هذا الموضع كيف يداول الله تعالى أحوال الناس بين

الأيام ويبدلها ويغيرها، إلا أن ‏‏القرآن في مواضع أخرى يوضح أن ذلك التغيير

في

حياة المرء أو في مجتمعة من رخاء وشدة أو نصر ‏‏وهزيمة أو عز أو ذل، إنما

يحدث

بكسب الناس وبأسباب ووسائل يأخذ بها الناس، وفقا لسنن ثابتة ونواميس

‏‏محددة.

ومن هذه المواضع قول الله تعالى في سورة الرعد آية 11:

(إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا ‏‏بِأَنْفُسِهِمْ)

وفي سورة الأنفال آية 53:

(ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا

عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا ‏‏بِأَنْفُسِهِمْ).‏

 

وتمضي الآية إلى بيان قاعدة تداول الأيام ليكشف للناس ما في هذا التداول من

مصالح وحكم بالإشارة إلى ‏‏مثال التداول الذي حدث في غزوة أحد وغزوة بدر،

فتؤكد أن هزيمة المسلمين في أحد وانتصار أعدائهم، ‏‏عكس ما حدث في غزوة

بدر، ليست امرا عابرا وحدثا وقع جزافا، إنما وراءه حكم ومصالح، منها تمحيص

‏‏

الناس بالهزيمة والنصر واختبار استعداداتهم النفسية والمادية، وتمييز صفوفهم

بيان وجوه الضعف ووجوه ‏‏القوة، ومنها اتخاذ شهداء يموتون من أجل عقيدتهم

ويبذلون أنفسهم ومهجهم في سبيل انتصار الإسلام ‏‏وإعلائه في الأرض، ومنها

أن تتهيأ الفئة المسلمة وتحسن إعداد قوتها المادية والإيمانية فتكون النتيجة

‏‏النهائية محق الكفر ومحو هيمنته وجبروته واستبداده.‏ ‏كل تلك وغيرها هي بعض

المصالح والحكم من تداول الأيام، وهي تؤكد ان ما يصيب المسلمين في فترة

من ‏‏فترات تاريخهم من ضعف واضطهاد وهوان، ليس إلا طرفا من تحقق قاعدة

تداول الإيام بين الناس، التي إن ‏‏وعاها الناس وفهموها حق فهمها انفتح لهم

الأمل في أن ما هم فيه من حال ليس أمرا مستقرا ثابتا، ولكنه ‏‏أمر مؤقت

وطارئ يمكن تغييره وتبديله إن درسوا أسبابه ونظروا في مكوناته، واستخرجوا

من وقائعه ‏‏الدروس ومن الهزيمة ما يحولها إلى نصر، ومن الضعف ما يبدله إلى

قوة، والله غالب على أمره ولكن أكثر ‏‏الناس لا يعلمون.‏

 

 

وإذا جاء النصر والفتح وتبدل الاستضعاف إلى قوة وإمامة للناس ووراثة للأرض

وتمكين للدين وتبديل من ‏الخوف إلى الأمن، فهو ايضا ابتلاء واختبار، يحتاج

إلى صبر وثبات قد يكون أصعب وأثقل من الصبر في ‏وقت الضعف والهوان، ذلك

أن القوة والسلطة مظنة الطغيان ومظنة الغرور والتكبر. وفي سورة كاملة يبين

‏الله تعالى مشاعر المسلم في وقت النصر والفرج فيقول:

{ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } *

{ وَرَأَيْتَ النَّاسَ ‏يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً } *

{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً }‏

 

يقول سيد قطب تعليقا على هذه السورة:‏

هذه السورة الصغيرة.. تحمل البشرى لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنصر

الله والفتح ودخول الناس في ‏دين الله أفواجاً؛ وتوجهه ـ صلى الله عليه وسلم

ـ

حين يتحقق نصر الله وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى ‏التوجه إلى ربه

بالتسبيح والحمد والاستغفار .

.