أنت متواجد هنا

د عاطف الكومى الاسيوطى » القرآن الكريم » القواعد الاساسية للقرآن الكريم

القواعد الاساسية للقرآن الكريم

بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيْم

مقدّمة

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله, والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه الأئمة الهداة, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الحشر والنجاة.

أما بعد: فهذه قواعد أصوليّة يجب على كلّ من أراد أن يتوسّع في قراءة كتب علوم القرآن معرفتها, لأنها مقدّمة لا بد منها للمبتدئين من طلاب العلم الشريف, وقد سميناها “القواعد الأساسيّة في علوم القرآن” نسأل الله تعالى أن ينفع بها كما نفع بأصلها المسمى بـ: “زبدة الإتقان”.

وقد قرأت كتب هذا العلم على جملة من الأئمة, منهم: سيّدي الوالد علوي بن عباس المالكيّ الحسنيّ رحمه الله, وأرويه عنهم بأسانيدهم المفصّلة في كتب الأسانيد, ونذكر هنا سند أشهر كتب هذا الفن وهو “الإتقان” بسند سيّدي الوالد السيّد علوي, فقد قرأت عليه كتاب “الإتقان في علوم القرآن” للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي, والوالد قرأه على أبيه السيد عباس بن عبد العزيز المالكي الحسني, وهو قرأه على شيخيه الشيخ محمد عابد مفتي المالكيّة بمكة المكرمة والسيّد أبي بكر شطا المكي, عن شيخهما السيد أحمد بن زيني دحلان مفتي البلد الحرام, عن شيخه الشيخ عثمان بن حسن الدمياطي, عن الشيخ عبد الله بن حجازي الشرقاوي, عن الشمس محمد بن سالم الحفني, عن الشيخ محمد بن محمد البديري, عن الشيخ أبي الضياء علي بن علي الشبراملسي, عن الشيخ علي الحلبي, عن الشيخ علي الزيادي, عن السيد يوسف الأرمَيُوني, عن الحافظ الجلال السيوطي.

مقدمة في علوم القرآن التي هي مصطلح التفسير

اعلم أنه لا بد من معرفة مصطلح التفسير قبل قراءة التفسير ليكون الإنسان على بصيرة تامة منه, فيعرف المكّي والمدني, والناسخ والمنسوخ, وأسباب النزول, ويترتّب على ذلك فهم معاني الآيات.

ومن خاض التفسير قبل معرفة مصطلحه كان في حيرة, وقَلَّ نشاطه, والتبست عليه المقاصد.

علم التفسير: هو مأخوذ من قولهم: فسّرتُ الشيء إذا بينتُه, وسمي العلم المذكور تفسيرًا, لأنه يبيّن القرآن ويوضحه.

وحدّه: هو علم يُبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم, من جهة نزوله كمكّية أو مدنيّة, ونحوه كسنده وأدائه وألفاظه ومعانيه المتعلقة بالأحكام, وغير ذلك.

وموضوعه: كلام الله عزّ وجلّ من الحيثية المذكورة.

وفائدته: التوصّل إلى فهم معاني القرآن, والعمل بما فيه بعد الفهم.

وثمرته: التمسّك بالعروة الوثقى, والفوز بالسعادة في الدارين.

وواضعه: الله تعالى ونبيّه عليه الصلاة والسلام, فهو علم إلهيّ نبويّ.

واستمداده: من القرآن نفسِه والسُّنَّة وأساليب العرب.

ومسائله: ما يستفاد منه من أحكام وعقائد, وأمثال ومواعظ.

ونسبته: أنه من العلوم الدينيّة, بل رئيسها, لكونها مأخوذة من الكتاب, ومتوقفة في الاعتداد بعد الثبوت عليه.

وفضله: أنه من أشرف العلوم وأجلّها, لأن العلوم إنما تَشرُف بشرف موضوعاتها, وموضوعه أجلّ واشرف.

وأما بيان الحاجة إليه فلأن فهم القرآن المشتمل على ألأحكام الشرعية التي هي مدار السعادة الأبدية, وهي العروة الوثقى, لا يُهتدى إليها إلا بتوفيق من اللطيف الخبير, حتى أن الصحابة رضي الله عنهم على علوّ كعبهم في الفصاحة واستنارة بواطنهم بما أشرق عليهم من مشكاة النبوّة, كانوا كثيرًا ما يرجعون إليه صلّى الله عليه وسلَّم بالسؤال عن أشياء لم يعرجوا عليها, ولم تصل أفهامهم إليها, كما وقع لعدي بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود, ولا شك أنّا محتاجون إلى ما كانوا محتاجين إليه وزيادة.

حَدّ القرآن:

القرآن: لغةّ: مأخوذٌ من القرء, وهو الجمع, وعرفًا: هو الكلام المنزل على سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلَّم, المعجز بسورة منه.

فقولنا: (الكلام) جنس شامل لجميع الكلام.

وقولنا: (المنزل على سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلَّم) فصلٌ مُخرجٌ للكلام النازل على غيره من الأنبياء, كالتوراة, والإنجيل, وسائر الكتب والصحف.

وقولنا: (المعجز) فصلٌ ثان مُخرجٌ للأحاديث الربانية, كحديث الصحيحين: “أنا عند ظن عبدي”, ثم الاقتصار في الحد على الإعجاز, وإن نزل القرآن لغيره أيضًا, لأنه المحتاج إليه في التمييز, فهو الأهم.

وقولنا: (بسورة منه) بيان لأقل ما يحصل به الإعجاز, وهو قدر أقصر سورة, كالكوثر, وإنما كان أقل الإعجاز بأقل سورة, لأنه لم يكن في القرآن آية مفردة, بل الآية تستلزم مناسبة لما قبلها وما بعدها, فتكون ثلاث آيات.

وزاد بعضهم في الحد فقال: المتعبَّد بتلاوته, ليخرج منسوخ التلاوة.

والسورة: هي جملة من القرآن أقلها ثلاث آيات, مسماة باسم خاص لها, بتوقيف من النبي صلّى الله عليه وسلَّم, بأن تذكر بذلك الاسم وتشتهر به.

والآية: هي جملة من السورة مميزة بالفاصلة, وهي الكلمة التي تكون آخر الآية.

 

 

المكّيّ والمدنيّ

اختلف العلماء في المكي والمدني على ثلاثة أقوال:

أشهرها: أن المكّيّ: ما نزل قبل الهجرة, والمدنيّ: ما نزل بعدها, سواء نزل بمكة المكرمة أم بالمدينة المنورة, عام الفتح أو عام حجة الوداع, في الحضر أم في السفر, هذا هو الأصح في تعريفهما.

الثاني: أن المكي: ما نزل بمكة المكرَّمة ولو بعد الهجرة, والمدني: ما نزل بالمدينة المنورة, فما نزل في الأسفار لا يطلق عليه مكي ولا مدني, بل يقال له: سفري.

الثالث: أن المكي: ما وقع خطابًا لأهل مكة المكرمة, والمدني: ما وقع خطابًا لأهل المدينة المنورة.

علامات للمكّيّ والمدنيّ:

وقد ذكر العلماء للمكي والمدني علامات:

منها: أن كل سورة فيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وليس فيها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} فهي مكية, وفي سورة الحج بعض آيات فيه خلاف.

ومنها: أن كل سورة فيها: {كلا} فهي مكية.

ومنها: أن كل سورة فيها قصة آدم عليه السلام وإبليس فهي مكّية, سوى سورة البقرة.

ومنها: أن كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنيّة, سوى سورة العنكبوت

ومنها: أن كل سورة ذكر فيها الحدود والفرائض فهي مدنيّة, وكل سورة ذكر فيها القرون الماضية فهي مكّيّة.

فائدة:

نزلت بالمدينة المنورة تسع وعشرون سورة: البقرة, وآل عمران, والنساء, والمائدة, والأنفال, والتوبة, والرعد, والحج, والنور, والأحزاب, ومحمد, والفتح, والحجرات, والحديد, والمجادلة, والحشر, والممتحنة, والصف, والجمعة, والمنافقون, والتغابن, والطلاق, والتحريم, والقيامة, والزلزلة, والقدر, والنصر, والمعوذتان.

وباقي السور نزل بمكة, وهو خمس وثمانون سورة, إذ سور القرآن كلها مائة وأربع عشرة.

الحضريّ والسفريّ

والحضري: ما نزل بالحضر, والسفري: ما نزل في السفر.

وأما السفري فله أمثلة, منها: آية التيمم في سورة المائدة, أولها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] فإنها نزلت بمحل يسمى بذات الجيش, وهي وراء ذي الحليفة, وقيل: بالبيداء, وهي تلي ذي الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة.

ومنها: سورة الفتح, نزلت في شأن الحديبية في كراع الغميم (وادٍ بينه وبين المدينة نحوُ مائةٍ وسبعين ميلاً, وبينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلاً, ومن عسفان إليه ثلاثة أميال).

وأمثلة الحضري كثيرة لكونه الأصل, فلا يحتاج إلى تمثيل لوضوحه.

الليلي والنهاري والصيفي والشتائي

وينقسم أيضًا باعتبار الزمان إلى ليلي ونهاري, وصيفي وشتائي.

وأمثلة النهاري كثيرة لأنه الأصل, وأما الليلي فمن أمثلته آية تحويل القبلة.

ومن أمثلة الصيفي آية الكلالة, وهي قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} [النساء: 176] إلى آخرها, وسماها النبي صلّى الله عليه وسلَّم بآية الصيف, كما ثبت في صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه.

ومن أمثلة الشتائي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ} إلى قوله تعالى: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} في سورة النور, ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها نزلت في يومٍ شاتٍ.

أول ما نزل

اختُلِفَ في أوّل ما نزل من القرآن على أقوال:

أحدها (وهو الصحيح): {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5] وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما.

فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم, فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح, ثم حبب إليه الخلاء, وكان يخلو بغار حراء, فيتحنث فيه (وهو التعبد) الليالي ذوات العدد, قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك, ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها, حتى جاءه الحق في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ, قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (قلت: ما أنا بقارئ, فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني فقال: اقرأ, قلت: ما أنا بقارئ, فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد, ثم أرسلني فقال: اقرأ, قلت: ما أنا بقارئ, فأخذني فغطني الثالثة, ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} ) وفي بعض الروايات حتى بلغ {مَا لَمْ يَعْلَمْ}.. الحديث بطوله.

القول الثاني: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] فقد روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله, أي القرآن أنزل قبل؟ قال: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] قلت: أو {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ؟ قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم, قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إني جاورت بحراء, فلما قضيت جواري, نزلت فاستبطنت الوادي, فنظرت أمامي وخلفي, وعن يميني وشمالي, ثم نظرت إلى السماء, فإذا هو (يعني جبريل), فأخذتني رجفةٌ, فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني, فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ, قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر: 1-2]) لكن العلماء أجابوا عن هذا التعارض بأجوبة, أشهرها أن المراد بالأولية في حديث جابر, أولية مخصوصة, وهي أولية الأمر بالإنذار, أي أول ما نزل للرسالة: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} وأول ما نزل للنبوّة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}, وهذا جواب جيد سديد.

وأجاب بعضهم: بأن مراد جابر أن سورة المدثر أول سورة نزلت كاملة, وهذا لا يعارض أن {اقْرَأْ} أول ما نزل مطلقًا, لأنها لم تنزل كلها, بل نزل منها صدرها.

القول الثالث: أن أول ما نزل الفاتحة.

القول الرابع: أن أول ما نزل بسم الله الرحمن الرحيم.

وهناك أقوال أخرى في أول ما نزل, وكل ذلك لا يثبت من ناحية السند, وإن صح فيتأول بأن معنى أوّل ما نزل على حذف (من), أي من أوَّلِ ما نزل.

أوائل مخصوصة:

1- أول ما نزل بمكة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1].

2- أول ما نزل بالمدينة سورة البقرة, وقيل: {ويل للمطففين} [المطففين: 1].

3- أل ما نزل في القتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39].

4- أول ما نزل في شأن الخمر: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219].

5- أول سورة أنزلت فيها سجدة: النجم, رواه البخاري.

6- أول ما نزل في الأطعمة بمكة: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام: 145] وبالمدينة: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة: 173].

 

 

 

آخر ما نزل

اختلف العلماء في ذلك على أقوال, أشهرها:

1- أن آخر ما نزل قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} [النساء: 176], رواه الشيخان.

2- وقال ابن عباس رضي الله عنهما: آخر آية نزلت آية الربا, رواه البخاري, وهي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278].

3- وقال أيضًا: آخر آية نزلت {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} [البقرة: 281].

4- وقال سعيد بن المسيب: آخر آية نزلت آية الدين, قال السيوطي: وهو مرسل صحيح الإسناد.

ويمكن الجمع بين القول الثاني وما بعده, بأنها نزلت كلها دفعة واحدة كترتيبها في المصحف, فيصدق على كل منها أنها آخر ما نزل, وحينئذ يتأول القول الأول بأنه آخر ما نزل في شأن الفرائض والأحكام.

معرفة سبب النزول

السبب: هو الحادثة التي من أجلها نزل القرآن, كسؤال سائل, أو حدوث حادثة.

ثم اعلم أن نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداءً, وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال.

وقد تتبع العلماء القسم الثاني وصنفوا فيه كتبًا مخصوصة, بينوا الآيات التي نزلت بسبب, وبينوا ذلك السبب, واجتهدوا فيه اجتهادًا بالغًا, وأشهر مؤلف في هذا الموضوع “لباب النقول في أسباب النزول” للحافظ السيوطي.

فوائد معرفة سبب النزول: وفي هذا العمل فوائد جليلة:

منها: معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.

ومنها: أنه طريق قوي في فهم معاني القرآن, لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب.

ما تكرر نزوله

ذكر جماعة من العلماء المتقدمين والمتأخرين أن من القرآن ما تكرر نزوله, ولذلك حِكَمٌ:

منها: التذكير والموعظة.

ومنها: وجود المقتضي.

ومنها: إظهار فضل زائد للمتنزل.

وقد ذكر بعضهم أن من ذلك: آية الروح, والفاتحة, وسورة الإخلاص, ويجوز أن يكون تكرار النزول لفائدة اختلاف حرف القراءة, فتنزل الآية مرّة على حرف, ومرة أخرى على حرف غيره.

ولا يبعد أن تكون الفاتحة نزلت مرّة بحرف {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ومرّة بحرف {مَلك يَوْمِ الدِّينِ}.

حُفّاظ القرآن ورُواته

حفّاظ القرآن الكريم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم كثيرون جدًا, لذلك نكتفي بذكر المشهورين من حفّاظه ورواته, فمنهم: الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي, وعبد الله بن مسعود, ومعاذ بن جبل, وأبي بن كعب, وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة, وزيد بن ثابت, والسيّدة عائشة, والسيّدة حفصة, والسيّدة أم سلمة, وعبادة بن الصامت.

وليس معنى هذا أن هؤلاء فقط هم الحفاظ, بل هناك كثير غيرهم مثلهم, وقد قتل في غزوة بئر معونة سبعون من القراء في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم, ومثلهم في يوم اليمامة.

وحصرُ قرّاء الصحابة الجامعين للقرآن كاملاً أمر يكاد يكون مستحيلاً, خصوصًا مع كثرتهم وتفرقهم في البلاد, وقتلِ من قُتِلَ ممن سبقت الإشارة إليهم.

الصحابة المشتهرون بإقراء القرآن:

أما المشتهرون بإقراء القرآن من الصحابة فسبعة: عثمان بن عفان, وعلي بن أبي طالب, وزيد بن ثابت, وابن مسعود, وأبو الدرداء, وأبو موسى الأشعريّ, وأبي بن كعب, وأخذ عنهم خَلقٌ من التابعين.

أئمة القراءات

ثم تجرد قوم واعتنوا بضبط القراءة أتم عناية, حتى صاروا أئمة يقتدى بهم ويرحل إليهم, في المدينة, والكوفة, والبصرة, والشام.

واشتهر من هؤلاء في الآفاق الأئمة السبعة:

1- نافع: وهو ابن عبد الرحمن بن أبي نعيم, وقد أخذ عن سبعين من التابعين, منهم أبو جعفر.

2- ابن كثير: وهو عبد الله بن كثير بن المطلب القرشي, وأخذ عن عبد الله بن السائب الصحابي.

3- أبو عمرو: وهو أبو عمرو البصري المازني, وأخذ عن التابعين.

4- أبن عامر: وهو عبد الله بن عامر اليحصبي, وأخذ عن أبي الدرداء وأصحاب عثمان.

5- عاصم: وهو ابن بهدلة أبي النجود الأسدي, وأخذ عن التابعين.

6- حمزة: وهو حمزة بن حبيب الزيات, وأخذ عن عاصم والأعمش, والسبيعي, ومنصور بن المعتمر وغيرهم.

7- الكسائي: وهو علي بن حمزة بن عبد الله الأسديّ, وأخذ عن حمزة, وأبي بكر بن عياش.

ثم انتشر القرّاء في الأقطار, وتفرقوا أممًا بعد أمم, واشتهر من رواة كل طريق من طرق السبعة راويان:

فعن نافع: قالون, وورش عنه.

وعن ابن كثير: قنبل, والبزي عن أصحابه, عنه.

وعن أبي عمرو: الدوري, والسوسي عن اليزيدي عنه.

وعن ابن عامر: هشام, وابن ذكوان عن أصحابه, عنه.

وعن عاصم: أبو بكر بن عياش, وحفص عنه.

وعن حمزة: خلف, وخلاد عن سليم عنه.

وعن الكسائي: الدوري, وأبو الحارث.

جمع القراءات على الروايات:

ثم لما اتسع الخَرْقُ وكاد الباطل يلتبس بالحق, قام جهابذة الأمة وبالغوا في الاجتهاد, وجمعوا الحروف والقراءات, وعزوا الوجوه والروايات, وميزوا الصحيح والمشهور والشاذ, بأصول أصّلوها, وأركان فصّلوها.

فأول من صنف في القراءات, أبو عبيد القاسم بن سلام, ثم أحمد بن جبير الكوفي, ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون, ثم أبو جعفر بن جرير الطبري, ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني, ثم أبو بكر بن مجاهد, ثم قام الناس في عصره وبعده بالتأليف في أنواعها جامعًا ومفردًا, ومُوجزًا ومُسهبًا.

وأئمة القراءات لا تحصى, وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي, ثم حافظ القراءات أبو الخير بن الجزري.

أنواع القراءات بحسب الثبوت

اعلم أن القراءات أنواع:

الأول: المتواتر: وهو ما نقله جَمعٌ لا يمكن تواطؤهم على الكذب, عن مثلهم إلى منتهاه, وغالب القراءات كذلك.

الثاني: المشهور: وهو ما صح سنده, ولم يبلغ درجة التواتر, ووافق القواعد العربية ولو بوجه, ووافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً, واشتهر عند القراء, فلم يعدّوه من الغلط ولا من الشذوذ, ويُقرأ به, على ما ذكره ابن الجوزي, ومثاله: ما اختلفت الطرق في نقله عن السبعة, فرواه بعض الرواة عنهم دون بعض.

وأمثلة ذلك كثيرة, ومن أشهر ما صنف في ذلك “التيسير” للدّاني و”قصيدة الشاطبي”, و”أوعية النشر في القراءات العشر”, و”تقريب النشر” كلاهما لابن الجزري.

الثالث: الآحاد: وهو ما صح سنده وخالف أحد المصاحف العثمانية أو العربية, أو لم يشتهر الاشتهار المذكور, ولا يقرأ به.

وقد عقد الترمذي في “جامعه” والحاكم في “مستدركه” لذلك بابًا, أخرجا فيه شيئًا كثيرًا صحيح الإسناد, من ذلك: ما أخرجه الحاكم من طريق عاصم الجحدري, عن أبي بكرة أن النبي صلّى الله عليه وسلَّم قرأ: “متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان”.

وأخرج من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلّى الله عليه وسلَّم قرا: “فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرات أعين”.

وأخرج عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلّى الله عليه وسلَّم قرأ: “لقد جاءكم رسول من أنفَسكم” بفتح الفاء.

وأخرج عن عائشة رضي الله عنها أنه صلّى الله عليه وسلَّم قرأ: “فرُوح وريحان” يعني بضم الراء.

الرابع: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده, وفيه كتب مؤلفة, من ذلك قراءة: “مَلَكَ يومَ الدين” بصيغة الماضي ونصب”يوم”, و”إياك يعبد” ببنائه للمفعول.

الخامس: الموضوع: كقراءة الخزاعي.

ثم هناك نوع سادس يشبه المدرج من أنواع الحديث, وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير, كقراءة سعد بن أبي وقاص “وله أخ أو أخت من أم”, أخرجها سعيد بن منصور.

وقراءة ابن عباس “ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج”, أخرجها البخاري.

وقراءة ابن الزبير “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم”.

قال عمرو: فما أدري أكانت قراءته أم فسر؟, أخرجه سعيد بن منصور, وأخرجه الأنباري وجزم بأنه تفسير.

وأخرج عن الحسن أنه كان يقرأ: “وإن منكم إلا واردها والورود الدخول”قال الأنباري: قوله”والورود الدخول” تفسير من الحسن لمعنى الورود, وغلط فيه بعض الرواة, فألحقه بمصحفه, فظن من جاء بعده أنه من الآية, وهو ليس كذلك, بل هو تفسير.

تنبيهات مهمة

التنبيه الأول: المراد من قول النبي صلّى الله عليه وسلَّم: “إن القرآن أنزل على سبعة أحرف (والحرف بمعنى الوجه) أنَّ القرآن أنزل على هذه التوسعة, بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف في أداء اللفظ الواحد سبعة أوجه.

التنبيه الثاني: قال مكي: من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطًا عظيمًا, قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم, ووافق خط المصحف ألا يكون قرآنًا, وهذا غلط عظيم.

والسبب في الاقتصار على السبعة (مع أن في أئمة القرَّاء من هو مثلهم حفظًا وفضلاً وعلمًا) هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرًا جدًا, فلما تقاصرت الهمم, اقتصروا (مما يوافق خط المصحف العثماني) على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به, فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة به, والاتفاق على الأخذ عنه, فأفردوا من كل مصرٍ إمامًا واحدًا, ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه غير هؤلاء من أئمة القراءات ولا القراءة به, كقراءة يعقوب, وأبي جعفر, وشيبة, وغيرهم.

وأصحُّ القراءات سندًا: نافع وعاصم, وأفصحها: أبو عمرو والكسائي.

واعلم أن الخارج عن السبع المشهورة على قسمين:

القسم الأول: ما يخالف رسم المصحف, فهذا لا شك في أنه لا تجوز قراءته, لا في الصلاة ولا في غيرها, ومنه: ما لا يخالف رسم المصحف ولم تشتهر القراءة به, وإنما ورد من طرق غريبة لا يعول عليها, وهذا يظهر المنع من القراءة به أيضًا.

القسم الثاني: ما اشتهر عن أئمة هذا الشأن القراءة به قديمًا وحديثًا, فهذا لا وجه للمنع منه, ومن ذلك: قراءة يعقوب وغيره.

التنبيه الثالث: باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام, ولهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءة في (لمستم) و(لامستم), وجواز وطء الحائض عند الانقطاع قبل الغسل وعدمه, على الاختلاف في (يَطْهُرنَ) بالتخفيف و(يَطَّهَّرْنَ) بالتشديد.

كيفيات القراءة

للقراءة ثلاث كيفيات:

إحداها: التحقيق: وهو إعطاء كل حرف حقّه, من إشباع المدّ, وتحقيق الهمزة, وإتمام الحركات, واعتماد الإظهار والتشديدات, وبيان الحروف وتفكيكها, وإخراج بعضها من بعض, بالسكت والترتيل والتُؤدَة, وملاحظة الجائز من الوقوف بلا قصر ولا اختلاس ولا إسكان محرك ولا إدغامه, وهو يكون برياضة الألسن وتقويم الألفاظ.

ويستحب الأخذ به على المتعلمين من غير أن يتجاوز فيه إلى حدِّ الإفراط بتوليد الحروف من الحركات, وتكرير القراءات, وتحريك السواكن, وتطنين النونات بالمبالغة في الغُنّات, كما قال حمزة لبعض من سمعه يبالغ في ذلك: أما علمت أن ما فوق البياض برص, وما فوق الجعودة قطط, وما فوق القراءة ليست بقراءة؟

الثانية: الحَدْر: بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين, وهو إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين, والاختلاس والبدل والإدغام الكبير, وتخفيف الهمزة, ونحو ذلك مما صحت به الرواية, مع مرعاة إقامة الإعراب وتقويم اللفظ, وتمكين الحروف بدون بتر حروف المد, واختلاس أكثر الحركات, وذهاب صوت الغُنَّةِ, والتفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة.

الثالثة: التدوير: وهو التوسط بين المقامين من التحقيق والحدر, وهو الذي ورد عن أكثر الأئمة ممن مد المنفصل, ولم يبلغ فيه الإشباع, وهو مذهب سائر القرّاء, وهو المختار عند أكثر أهل الأداء.

ومن المهمات: تجويد القرآن, وقد أفرده جماعة كثيرون بالتصنيف منهم الداني وغيره, أخرج عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “جوّدوا القرآن”

 

التجويد

قال القُرَّاء: التجويد حلية القراءة, وهو إعطاءُ الحروف حقوقها وترتيبها, وردّ الحرف إلى مخرجه وأصله, وتلطيف النطق به على كمال هيئته, من غير إسراف ولا تعسف, ولا إفراط ولا تكلف, وإلى ذلك أشار صلّى الله عليه وسلَّم بقوله: (من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل, فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) يعني ابن مسعود, وكان رضي الله عنه أعطي حظًا عظيمًا في تجويد القرآن, ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده, هم متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراء الذين تلقوه بأسانيدهم عن شيوخهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم, وقد عدّ العلماء القراءة بغير تجويد لحنًا.

والقرآن له أحكام تجويدية مشروعة نصّ عليها القراء, كما روى السلف عن الرسول صلّى الله عليه وسلَّم, ومخالفها فاسق, قال ابن الجزري:

والأخذ بالتجويد حتم لازم
لأنه به الإله أنزلا

 

من لم يجوّد القرآن آثم
وهكذا منه إلينا وصلا
آداب تلاوة القرآن

يستحب الوضوء لقراءة القرآن لأنه أفضل الأذكار, وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلَّم يكره أن يذكر الله إلا على طُهر, كما ثبت في الحديث, وتسن القراءة في مكان نظيف, وأفضله المسجد, وكره قوم القراءة في الحمام والطريق.

ويستحب أن يجلس مستقبلاً متخشعًا بسكينة ووقار مطرقًا رأسه.

ويُسَنُّ أن يستاك تعظيمًا وتطهيرًا, وقد روي ابن ماجه عن علي رضي الله عنه موقوفًا, والبزار بسند جيد عنه مرفوعًا: (إن أفواهكم طُرقٌ للقرآن, فطيبوها بالسواك).

بقية الآداب:

ويسن الاستماع لقراءة القرآن, وترك اللغط والحديث بحضور القراءة, قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204].

ويسن السجود عند قراءة آية السجدة.

قال النووي: الأوقات المختارة للقراءة, أفضلها ما كان في الصلاة, ثم الليل, ثم نصفه الأخير, وهي بين المغرب والعشاء محبوبة, وأفضل النهار بعد الصبح.

ويختار لابتدائه ليلة الجمعة, ولختمه ليلة الخميس, فقد روى ابن أبي داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يفعل ذلك, والأفضل الختم أول النهار, أو أول الليل.

ويسن صوم يوم الختم, أخرجه ابن أبي داود عن جماعة من التابعين, وأن يحضر أهله وأصدقاءه, أخرج الطبراني عن أنس رضي الله عنه أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا.

وأخرج عن مجاهد قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويقول: عنده تنزل الرحمة.

ويستحب التكبير من الضحى إلى آخر القرآن, وهي قراءة المكيين, أخرج البيهقي في “الشعب”, وابن خزيمة من طريق ابن أبي بزة: سمعت عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله المكي, فلما بلغت الضحى قال: كَبِّر حتى تختم, فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك وقال: قرأت على مجاهد فأمرني بذلك, وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك, وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أُبَيّ بن كعب فأمره بذلك, كذا أخرجاه موقوفًا.

وبسن إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقب الختم لحديث الترمذي وغيره: (أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل, الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره, كلما حلّ ارتحل).

وأخرج الدارمي بسند حسن عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلَّم كان إذا قرأ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1] افتتح من الحمد, ثم قرأ من البقرة إلى: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5] ثم دعا بدعاء الختمة, ثم قام.

ويكره قطع القراءة لمكالمة أحد, قال الحليمي: لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره, وأيّده البيهقي بما في الصحيح: كان ابن عمر إذا قرأ, لم يتكلم حتى يفرغ منه.

ويكره أيضًا الضحك والعبث, والنظر إلى ما يلهي.

ولا يجوز قراءة القرآن بالعجمية مطلقًا, سواٌ أحسن العربية أم لا, في الصلاة أم خارجها, ولا تجوز القراءة بالشاذ, نقل ابن عبد البرّ الإجماع على ذلك.

ويكره اتخاذ القرآن معيشة يكتسب بها, وأخرج الآجري من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه مرفوعًا: (من قرأ القرآن فليسأل الله به, فإنه سيأتي قوم يقرؤون القرآن يسألون الناس به).

ويكره أن يقول: نسيت آية كذا بل أُنسيتُها, لحديث الصحيحين في النهي عن ذلك, ونسيانه كبيرة, لحديث أبي داود وغيره: “عُرِضتْ عليّ ذنوب أمّتي, فلم أرَ ذنبًا أعظم من سورة من القرآن, أو آية, أُوتيَها رجلٌ ثم نسي”.

ويسن التعوذ قبل القراءة, قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] أي إذا أردت قراءته.

قال النووي: وصفته المختارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, وكان جماعة من السلف يزيدون: السميع العليم.

وعن حميد بن قيس: أعوذ بالله القادر, من الشيطان الغادر.

وعن أبي السمال: أعوذ بالله القوي, من الشيطان الغوي.

وعن قوم: أعوذ بالله العظيم, من الشيطان الرجيم.

وعن آخرين: أعوذ بالله من الشيطان الرحيم, إن الله هو السميع العليم, وفيها ألفاظ آخر, قال الحلواني في “جامعه”: ليس للاستعاذة حَدٌ يُنتهى إليه, من شاء زاد ومن شاء نقص.

وليحافظ على قراءة البسملة أول كل سورة, غير براءة, لأن أكثر العلماء على أنها آية, فإذا أخل بها كان تاركًا لبعض الختمة عند الأكثرين, فإذا قرأ من أثناء سورة استحبت له أيضًا, نص عليه الشافعي.

ويسن الترتيل في قراءة القرآن, قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل: 4], وروى أبو داود وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها أنا نعتت قراءة النبي صلّى الله عليه وسلَّم: قراءةٌ مفسرةٌ حرفًا حرفًا.

وفي “البخاري” عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن قراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم فقال: كانت مدًا, ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم, يمد (الله) ويمد (الرحمن) ويمد (الرحيم).

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلاً قال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة, فقال: هذًّا كهذّ الشعر, إن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم, ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع.

وأخرج الآجري في “حملة القرآن”, عن ابن مسعود صلّى الله عليه وسلَّم قال: لا تنثروه نثر الدّقل, ولا تهذّوه هذّ الشعر, قفوا عند عجائبه, وحرّكوا به القلوب, ولا يكون هم أحدكم آخر السورة.

قال في “شرح المهذّب”: واتفقوا على كراهة الإفراط في الإسراع, قالوا: وقراءة جزء بترتيل أفضل من قراءة جزأين في قدر ذلك الزمن بلا ترتيلّ, قالوا: واستحباب الترتيل للتدبّر, ولأنه أقرب إلى الإجلال والتوقير, وأشد تأثيرًا في القلب.

واختلف, هل الأفضل الترتيل وقلة القراءَة, أو السرعة مع كثرتها؟, وأحسن بعض أئمتنا فقال: إن ثواب قراءة الترتيل أجل قدرًا, وثواب الكثرة أكثر عددًا, لأن بكل حرف عشر حسنات.

وفي “البرهان” للزركشي: كمال الترتيل تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه, وألاّ يُدغَم حرف في حرف.

وقيل: هذا أقلّه, وأكمله أن يقرأ على منازله, فإن قرأ تهديدًا لفظ به لفظ التهديد, أو تعظيمًا لفظ به على التعظيم.

ويسن القراءة بالتدبّر والتفهم, فهو المقصود الأعظم والمطلوب الأهم, وبه تنشرح الصدور, وتستنير القلوب, قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29].

وقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] وصفة ذلك: أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به, فيعرف معنى كلِّ آية, ويتأمل الأوامر والنواهي, ويعتقد قبول ذلك, فإن كان مما قصّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر, وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل, أو عذاب أشفق وتعوّذ, أو تنزيه نزه وعظم, أو دعاء تضرع وطلب.

أخرج مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم ذات ليلة فافتتح البقرة فقرأها, ثم آل عمران فقرأها, ثم النساء فقرأها, يقرأ مترسّلاً, إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبح, وإذا مر بسؤال سأل, وإذا مرّ بتعوُّذ تعوَّذ.

ومن التدبّر: أن يجعل نداء القرآن إذا اقتضى ذلك, وهو ما أشار إليه الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي: (من قرأ: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين: 1] فانتهى إلى آخرها فليقل: بلى, وأنا على ذلك من الشاهدين, ومن قرأ: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 1] فانتهى إلى آخرها: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] فليقل: بلى, ومن قرأ: {والمرسلات} فبلغ: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [المرسلات: 50] فليقل: آمنا بالله).

وأخرج أحمد وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم كان إذا قرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قال: سبحان ربي الأعلى.

وأخرج الترمذيّ والحاكم عن جابر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم على أصحابه, فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها, فسكتوا, فقال: “لقد قرأتها على الجنّ, فكانوا أحسن مردودًا منكم, كنت كلما أتيت على قوله: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نُكَذِّب, فلك الحمد”.

وأخرج ابن مردويه والديلمي وابن أبي الدنيا في “الدعاء” وغيرهم بسند ضعيف جدًا عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلَّم قرأ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] الآية, فقال: (اللهم أمرت بالدعاء وتكفلت بالإجابة, لبّيك اللهمّ لبّيك, لبّيك لا شريك لك لبّيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك, واشهد أنك فَرد أحدٌ صمدٌ, لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوًا أحدُ, وأشهد أن وعدك حق, ولقاءك حق, والجنة حق, والنار حق, والساعة آتية لا ريب فيها, وأنك تبعث من في القبور).

وأخرج أبو داود وغيره عن وائل بن حُجر رضي الله عنه سمعت النبي صلّى الله عليه وسلَّم قرأ: {ولا الضالين} فقال: “آمين” يَمُدّ بها صوته, وهو معنى إجابة القرآن.

وأخرجه الطبراني بلفظ قال: “آمين” ثلاث مرات, وأخرجه البيهقي بلفظ: قال: “رب اغفر لي آمين”.

قال النووي: ومن الآداب إذا قرأ نحو: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ} [التوبة: 30], {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] أن يخفض بها صوته, كذا كان النخعي يفعل.

ويستحب البكاء عند قراءة القرآن, والتباكي لمن لا يقدر عليه, والحزن والخشوع, قال تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} [الإسراء: 109].

وفي الصحيحين حديث قراءة ابن مسعود رضي الله عنه على النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم, وفيه: فإذا عيناه تذرفان.

وفي “الشعب” للبيهقي عن سعد بن مالك مرفوعًا: (إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة, فإذا قرأتموه فابكوا, فإن لم تبكوا, فتباكَوا) وفيه من مرسل عبد الملك بن عمير أن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قال: (إني قارئٌ عليكم سورة, فمن بكى فله الجنة, فإن لم تبكوا فتباكَوا).

وفي مسند “أبي يعلى” حديث: “اقرؤوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن”

وعن الطبراني: “أحسن الناس قراءة من إذا قرأ القرآن يتحزّن به”.

قال في “شرح المهذب”: وطريقه في تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود, ثم يفكّر في تقصيره فيها, فإن لم يحضره عند ذلك حزن وبكاء فليبكِ على فقد ذلك, فإنه من المصائب.

ويسنُّ تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها, لحديث ابن حبان وغيره: (زيّنوا القرآن بأصواتكم”, وفي لفظ عند الدارمي: (حسّنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا).

وأخرج البزار وغيره حديث: (حُسنُ الصوت زينة القرآن) وفيه أحاديث صحيحة كثيرة, فإن لم يكن حَسَنَ الصوت, حَسَّنَهُ ما استطاع, بحيث لا يخرج إلى حدّ التمطيط والغناء, لما جاء في الحديث: (اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها, وإياكم ولحون أهل الكتابين, وأهل الفسق, فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانيّة, لا يجاوز حناجرهم, مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم) أخرجه الطبراني والبيهقي.

قال النووي: ويستحب طلب القراءة من حَسَنِِ الصوت والإصغاء إليها, للحديث الصحيح, لا بأس باجتماع الجماعة في القراءة ولا بإدارتها, وهي أن يقرأ بعض الجماعة قطعة, ثم البعض قطعة بعدها.

ويستحب قراءته بالتفخيم لحديث الحاكم: (نزل القرآن بالتفخيم) قال الحليمي: ومعناه أنه يقرؤه على قراءة الرجال ولا يخضع الصوت فيه ككلام النساء, قال: ولا يدخل في هذا كراهة الإمالة التي هي اختيار بعض القراء, وقد يجوز أن يكون القرآن نزل بالتفخيم, فرُخّص مع ذلك في إمالة ما يحسن إمالته.

 

قاعدة في معرفة غريبه

الغريب: هو معنى الألفاظ التي يحتاج إلى البحث عنها في اللغة, ومرجعه النقل والكتب المصنفة فيه, وينبغي الاعتناء به. فقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه) وأخرج من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: (من قرأ القرآن فأعربه كان له بكل حرف عشرون حسنة, ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات), والمراد بإعرابه: معرفة معاني ألفاظه, وليس المراد به الإعراب المصطلح عليه عند النُحاة, وهو ما يقابل اللحن, لأن القراءة مع فقده ليست قراءة ولا ثواب فيها, وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفن وعدم الخوض بالظن, فهؤلاء الصحابة وهم العرب العرباء وأصحاب اللغة الفصحى ومن نزل القرآن عليهم وبلغتهم توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها, فلم يقولوا فيها شيئًا.

وأخرج أبو عبيد في “الفضائل” عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سئل عن قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] فقال: أيُّ سماء تظلني, وأيُّ أرض تقلني, إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.

وأخرج عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها, فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو الكَلَفُ يا عمر.

وأخرج من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات, حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر, فقال أحدهما: أنا فطرتها, يقول: أنا ابتدأتها.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: {وحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا} [مريم: 13] فقال: سألت عنها ابن عباس رضي الله عنهما فلم يجب فيها شيئًا.

وأخرج الفريابي: حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كل القرآن أعلمه إلا أربعًا: غسلين, وحنانًا, وأواه, والرقيم.

فوائد معرفة الغريب:

معرفة هذا الفن للمفسر ضرورية, قال في “البرهان”: يحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة, أسماء وأفعالاً, وحروفًا, فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها, فيؤخذ ذلك من كتبهم, وأما الأسماء والأفعال فتؤخذ من كتب علم اللغة.

قال السيوطي: وأولى ما يرجع إليه في ذلك, ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه, الآخذين عنه, فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الصحيحة, مما ورد عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة, وهي من أصح الطُرق عنه.

وساق السيوطي في “الإتقان” جميع ما ورد من ذلك على وجه الإتقان والاستيعاب مرتبًا على السور.

كيف يقع الغريب في القرآن؟

استُشكِلَ دخول الغريب في القرآن مع أن السلامة من الغرابة من شروط الفصاحة, والقرآن أفصح الكلام, فيجب أن يكون خاليًا من ذلك.

أجيب: بأن الغرابة لها معنيان:

المعنى الأول: استعمال اللفظ الوحشي غير المأنوس الاستعمال, وهذا مما يخل بالفصاحة.

والمعنى الثاني: استعمال ما لا مدخل للرأي فيه, بل يرجع معناه إلى النقل, مثل: قسورة للأسد, وهذا النوع واقع في القرآن, وهو محتاج إلى البيان من أهل هذا الشأن.

قال أبو بكر بن الأنباري: قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرًا الاحتجاجُ على غريب القرآن ومُشْكله بالشعر, قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشعر ديوان العرب, فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها, فالتمسنا معرفة ذلك منه, ثم أخرج من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر, فإن الشعر ديوان العرب.

ما وقع فيه بغير لغة العرب

اختلف الأئمة في وقوع المعرب في القرآن, فالأكثرون ومنهم: الإمام الشافعي, وابن جرير, وأبو عبيدة, والقاضي أبو بكر, وابن فارس, على عدم وقوعه فيه, لقوله تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [فصلت: 3] وقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] وقد شدد الشافعي النكير على القائل بوقوع شيء من غير لغة العرب في القرآن.

وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين, فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول.

ويقابل هذا القول, ما جاء عن بعضهم بجواز وقوع ذلك, وأن هناك ألفاظًا غير عربية استعملها العرب وجرت مجرى الفصيح, فو